الاقصاء :ثقافة اللامنتمي بين التهجم والتبني
روني علي
يبدو أن ثمة فئات تربت – بحكم الفطرة – على ذهنية اقصائية، لترى الأشياء لا كما هي في نسقها وكينونتها، وإنما – واستناداً إلى ذهنيتها – في الشكل الذي يخدم غريزة تسلطه الثقافوي / الفرداني، أو هروباً من الإقرار بحقيقة الوقائع، وأن التطور وحركة التاريخ لفظت مجمل مرتكزاته الفكرية والذهنية. وهذا ما يبدو جلياً من خلال بعض المواقف والبيانات والأقلام العربية التي تتحفنا يوماً بعد يوم ، بمزيد من الآراء التي يتم تجييرها – قسراً وعنةً – على هذا النسق أو ذاك.
وبما أننا نعاني جملة من التراكمات الثقافوية المهزومة، المتفشية في وسطنا السياسي/الثقافي، ويلفنا عقدة السلطة والتسلط، فلا غرابة أن نجد البعض – من المحسوبين على النخبة - يتدحرجون خلف كراته الثلجية ومنابعه الفلسفية التي تآكلت بحكم التماس مع الحقيقة، ليتحول من داعية للديمقراطية والحريات العامة وحقوق الإنسان، إلى نقيضه في لمحة البصر، وتتحول دعواته – حين تتعلق بقضية الشعب الكردي – إلى كابوس يجثم فوق كاهله، ويبحث عن مخرج وبأي شكل كان وأية تهمة كانت للتنصل من ادعاءاته.
فأبطال الأمس وشوفنييه وحاقديه ينتظرون معاً الدور لاحتلال قائمة الشهرة على ذات الوتيرة ونفس الارتقاء، والجامع بينهما للوصول إلى المجد وإرواء عقدة السقوط تتجسد في تضييق الخناق على الطموح الكردي في أن يعيش أسوة ببني البشر، وتحمليه كل ما من شأنه أن يبث الاستفزاز في مشاعر الإنسان العربي البسيط، ويجره إلى خندق المواجهة مع الأخوة التي طالما ننادي بها، وقدمنا في سبيلها من أحلامنا الكثير الكثير، ماضياً وراهناً، ووقفنا من أجلها في مواقع هي ليست مواقعنا، وصراعات لا تمسنا بشكلها المباشر، اللهم لقناعتنا بأن المصير المشترك له مترتباته واستحقاقاته ..
ولكن ألا يمتلك هذا البعض الرؤية الكافية ليرى بأن تحميل الجانب الكردي هزيمة المشروع القومي العربي وأسباب السقوط، ونعته باتهامات لا تمس إلى الواقع والحقيقة، سيهدم كل ما تم الحفاظ عليه شعبياً في الوسطين العربي والكردي، ويدفع بالإنسان الكردي – مكرهاً – في أن يعيد النظر في حساباته وخياراته، خاصةً وأن شعور الصهر والاضطهاد من جانب الأنظمة يلازمه منذ أن تفتح وعيه على ذاته المستهدف، أم أن هذا البعض يتقصد ذلك ويهدف من ورائه إلى خلق توازنات معينة على حساب الجسد الكردي يخدم نزعاته السلطوية والفردية. وهو يدرك – ويجب أنيدرك– تماماً بأن الفعل يولد تقيضه والهجوم يقابله الدفاع وإن اختلفت الأسلحة والوسائل والأدوات. وإلا كيف يمكن لنا أن نفسر ما تخطه وتخطوه بعض الذين نكن لهم كل التقدير والاحترام على ماضيهم وتضحياتهم وإفنائهم جل حياتهم دفاعاً عن قضايا العدل والمساواة، ينجرون يوماً بعد يوم إلى ساحات تفند ما دافعوا عنه، وتؤجج نار الفتنة بين الشعبين المتعايشين تاريخياً، وقد يتحول لهيبها إلى غول يلتهم مسارات الحرية والديمقراطية ويبقي على الظلم والقمع والقهر قابعاً على صدورنا جمعياً، وفي النتيجة سيكون ال نحن) هي الخاسرة .. كيف يمكن لنا أن نقدم التبرير لمن يحمل رسالة الإنسانية ويدعوا إلى مناصرة الحق الفلسطيني والعراقي وحتى في البوسنة، ويهدر حقوق الشعب الكردي، لا بل يقوم بدور الواشي لدى سلطات البلد لتشويه صورة الحق الكردي بربطه بمشاريع ومسميات على شاكلة ربط الكرد بإسرائيل وأنه يحمل مشروعاً انفصالياً، وهو نفسه يدرك أنه بذلك يشوه الحقائق والتاريخ ويخون مبادئه التي دافع عنها طويلاً..
فشتان ما بين القول والممارسة، السلطة تقر بأن الوجود الكردي وجود تاريخي،وأن القومية الكردية جزء من النسيج الوطني السوري، ودعاة الحقوق يعتبرون أن ذاك الوجود طارئ وأنهم ضيوف، إما أن يرضخوا للأمر الواقع وإما الرحيل..
وحتى لا ننجر – كما غيرنا – إلى مواقع هي ليست مواقعنا، ونتمسك بحبال الأوهام، فإننا نتفهم جيداً ما تذهب إليها السلطة وندرك جيداً لعبة التوازنات، بقدر ما نعي حقيقة المنبع الفكري الذي يستند إليه دعاة الحرية والديمقراطية، وأن تضحياتهم لم تكن من أجل الحرية نفسها بقدر ما كانت في سبيل توازنات شبيهة إلى حد ما بتوازنات السلطة، لأن الديمقراطي لا يمكن أن يكون كذلك بالنسبة للأبيض وشوفينياً متعصباً بالنسبة للأسود، وفوق كل ذلك مزوراً للحقائق