Kurdi English Arabi
Home Contact add to favorites
 
 
 
 
23-11-2004

وقفة .. أي حوار نحتاجه ..؟ الملتقى الثقافي الكردي العربي نموذجاً

روني علي

بين 17 – 20/ 9/ 2004، وبدعوة من جمعية الصداقة الكردية العربية، ورعاية من حكومة إقليم كردستان/العراق، ممثلاً بشخص الأخ مسعود البارزاني، رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني، انعقد في اربيل – عاصمة الإقليم، الملتقى الثقافي الكردي العربي .

وبغض النظر عن بعض الهنات، أو يمكن أن نقول إشكاليات التنظيم والإدارة، فإن الملتقى أريد له أن يكون جسر الوصل – من جديد – في العلاقة بين النخب الثقافية العربية والكردية، بغية تعزيز القواسم المشتركة في فهمنا المشترك لقضايانا المتداخلة، ووشائج التعاطي معها، وللمساهمة معاً في بلورة الرؤى المستقبلية، وما يترتب على استحقاقات مشروع التغير الدائر في المنطقة، من إرهاصات على الجانبين الكردي والعربي . بمعنى آخر، وضع الركائز المعرفية لمشاركة الشرائح والفعاليات الثقافية والاجتماعية، في رسم ملامح مستقبل الشعبين، على ضوء متغيرات الساحة السياسية، بعيداً – قدر الإمكان – عن المخططات والمشاريع التي تخطط لها وتديرها الأنظمة، والتي تسيء في غالبيتها إلى أسس العلاقات التاريخية بين الشعبين، وتضع مستقبل المنطقة برمتها على كف عفريت .

ومن قراءة لسمات المرحلة، وانعكاساتها على الشارعين الكردي والعربي، نرى أن الملتقى يأتي في ظروف، تغيرت معها بعض الملامح التي كانت تحكم تناول القضية الكردية، بأبعادها المحلية والإقليمية والدولية، وإن كان منها ما هو في طور التغيير، بعضها باتجاه الانفتاح، وبعضها بالتزمت . وأن علاقة العربي – الحامل للمشروع القوموي العروبي - بالبعد الكردي، بخصوصيته وهويته، تجسد – أكثر من ذي قبل - الذهنية الاقصائية، والتي من شأنها بتر خيط الوصل المتبقي في علاقة الجانبين، خاصةً بعد أن منيت تلك الذهنية ومعها الثقافة الشمولية، السائدتين في المنطقة – الرسمية منها والشعبية – بهزيمة كبرى، وانهيار القوى الحاملة لهما حكماً – وإن لم يقر بها أصحابها -، جراء انتشار مفاهيم الديمقراطية، وعولمة المعرفة البشرية، وقوة مشروع التغيير الذي تفرضه استحقاقات المرحلة، وتدعمه – عسكرياً – قوى دولية لا طاقة لنا – ثقافة المنطقة ككل – من مواجهتها أو الوقوف في وجهها، والتي أصابت – الاستحقاقات – في بعض منها العلاقة الكردية العربية – كرد فعل من قبل البعض على البعض الآخر – بمزيد من الفتور، كونها – العلاقة – لم تكن مستقرة أساساً، وعلى مر عقود من الزمن، على آليات واضحة وفهم متبلور، وبقيت عرضة للمد والجزر، ومشوبة ببعض الحذر من هذا الجانب أو ذاك، وذلك لأسباب منها ما هو قديم ومتعلق بتلك الذهنية والثقافة، ومنها ارتبط بالأحداث الأخيرة التي غيرت الكثير في أشكال التعاطي الكردي العربي، سواء ما حصلت منها في العراق، وأدت إلى سقوط نظامه الديكتاتوري، أو في سوريا، إبان أحداث آذار الدامية . إلى جانب ذلك، شعور الكردي الذي يتعامل مع المستجدات بنشوة قومية، يبحث من خلاله عن ذاته وهويته، وهو في الوقت نفسه مشوب ببعض الخوف والحذر، كنتيجة طبيعية لممارسات الشوفينية المتأصلة في ذهنية حاملي المشروع القوموي العروبي، والذي يتم تغذيته بشتى السبل والأشكال، سواء من قبل الأنظمة بغية تصدير أزماتها، أو من قبل جهات لها في ذلك مصالحها ومآربها، مستندة في ذلك على مكنة الإعلام بجهاته المختلفة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، المد الذي يلاقيه التيارات الأصولية في الشارع العربي، وتحول الممارسات الإرهابية شيئاً فشيئاً – بغطاء المقاومة – إلى ثقافة شعبية، والتي – هذه الحالة - تنبئ بمستقبل محفوف بالمخاطر، ويلقي بتبعاته على الحالة الكردية، مما يعزز لدى الإنسان الكردي – أمام هكذا حالة – فكرة الانكفاء على الذات، للحفاظ على الشخصية الكردية، وترسخ لديه نزعته الخاصة به، والتي تصب هي الأخرى في خانة القطيعة بين ما هو كردي وعربي .

إذاً، وأمام هكذا خطر يداهم العلاقة بين الشعبين، وقد يلقي بإفرازاته وسلبياته على توازنات المنطقة مستقبلاً، من حيث نسف فكرة التشارك، وقبول العيش سوياً على قاعدة الاعتراف المتبادل في الحقوق والواجبات، جاء الملتقى كمشروع خطط له – محاولاً - ليردم الهوة بين الأطراف أولاً، ومن ثم يعيد بناء مفاصل القوة في تلك العلاقة، على ضوء قراءة جديدة وفهم جديد للخارطة السياسية المستقبلية في المنطقة، بتداعياتها ونتائجها .

ومن وقفة سريعة على سير أعماله، وتسليط الضوء على ما لفه من إشكاليات، نستطيع القول، بأنه – الملتقى – وإن كان قد حقق البعض مما كان يرنو إليه ويهدفه، كتهيئة الأجواء لقيام حوارات أكثر جرأة وجدية، ووضع اللبنات لبعض القواسم المشتركة، إلا أنه أخفق في الكثير مما كان مطلوباً منه، وذلك لأسباب – كما اعتقد – تعود إلى شكل التعامل معه عربياً وكردياً، إضافةً إلى غياب عنصر الثقة لدى الأطراف، وأن ما يتم التجهر به يضمر في ذاته غالباً، ما هو مخفي، إن لم نقل نقيضه..

ففي الجانب العربي، كان ملحوظاً، بأن الحضور محصور في بعض الفعاليات التي تقف على مسافة قريبة، من فهم وتفهم المسألة الكردية، منها ما تستند في ذلك إلى عمق فكري / سياسي، ومنها ما هو ظاهري، يكتنفه بعض المتناقضات، لخصوصيات تتعلق به، وأسباب لها مبرراتها الموضوعية . إضافةً إلى الحضور الطارئ – كما اعتقد – لبعض الشيوخ ورؤساء العشائر العراقية، والتي لم تكن موقعها في الملتقى، سواء من حيث المداولات والآليات، أو من حيث الذهنية المعرفية التي يستوجبه الحدث، سوى الحضور ذاته، وإملاء الشاغر العربي . أما الوجه الآخر من المعادلة – الرأي العربي المخالف – فقد كان غائباً – ولا أقول مغيباً، كون – وحسب علمي – كان مشمولاً بالدعوة، إلا أن غيابه يعود إلى أسباب لها مدلولاتها السياسية والعقائدية والثقافية، إضافةً إلى دور الأنظمة، وتراكمات الذهنية القوموية . حتى أن دعاة التغيير، والمحسوبين على التيارات الديمقراطية، والحلفاء الطبيعيين في المعاناة للشعب الكردي، ونخص هنا رموز النضال الفلسطيني، حتى المقيمين منهم في الخارج، لم يلبوا الدعوة، لأسباب لا كما قدموها، وتم تبريرها، بل كما اعتقد مرتبطة – إضافة إلى موروث الذهنية الأنفة الذكر - بالفهم المصلحي للحراك السياسي، والذي يتجسد في أن بلورة القضية الكردية على تخوم قضايا المنطقة، ستكون على حساب القضايا العربية، وخاصةً الساخنة منها، فكيف والملتقى ينعقد على أرض إقليم كردستان وبرعاية كردية في هذه الظروف الدقيقة ..؟ .

أما الجانب الكردي، فقد انحصر هو الآخر في الفعاليات المحسوبة – ظاهراً – على التوجه الذي يقوده الحزب الديمقراطي الكردستاني، أو المؤيدة له، وغياب آخرين مشمولين بالدعوة، ( بعضهم حسب معرفتي – أشقاؤنا السوريون، وآخرين حسب ما قيل – أشقاؤنا في السليمانية )، لأسباب هي الأخرى – كما اعتقد – سياسية وعقائدية ومصلحية . تعود بعضها إلى نفس عقلية التوازنات التي غابت على أساسها بعض الفعاليات العربية – الفهم المصلحي للحراك السياسي - . بمعنى آخر، الكل يبحث لذاته عن مصالحه ومكاسبه، في إطار التوازنات القائمة، والكل يتقن لعبة تلك التوازنات إلى حد ما، إذا ما تعلق الأمر بخصوصية موقعه، وطنياً كان أم قومياً وحزبياً . وعليه، يمكننا استيعاب بعض المحاولات التي كانت تهدف إلى تجيير الملتقى ليكون عراقياً بامتياز .

ومن خلال قراءة شعار الملتقى ( شراكة عادلة واتحاد اختياري )، والمداخلات التي قدمت، والمناقشات التي دارت، نستطيع القول، بأن حجم المهمة التي أوكلت إلى الملتقى، والآمال التي انعقدت عليه، كانت أكبر بكثير من طاقاته، كون المسائل التي تطرحها كهذا اجتماع، لا تقف عند حدود تقارب سياسي / ثقافي أو مواقفي آني، وفي بعض جوانبه عاطفي، بل يجب أن يمتد ليشمل غالبية المعنيين بالشأن، خاصةً إذا أدركنا أن القضية الكردية وسبل معالجتها ليست مرهونة فقط بمواقف شريحة معينة من نخب الشعبين الكردي والعربي، وإنما تمس دول المنطقة بأنظمتها وشعوبها وقواها، إضافةً إلى التوازنات والمعادلات السياسية فيها، محلية كانت أم إقليمية ودولية .

وإذا أردنا الخوض - قليلاً – في طرفي المعادلة (الكردي والعربي)، والاستفادة من أسباب ومبررات غياب بعض أجنحتها عن الملتقى، نستطيع أن نخرج ببعض النتائج التي تفيد بحثنا، وتعزز من رؤيتنا فيما نصبوا إليه . فمن هو الذي يحدد هذه الـ ( شراكة عادلة واتحاد اختياري ) سواء في الجانب الكردي أو العربي ..؟ القوى المشتتة والمتشرذمة في الموقف والبنى، أم الشعوب التي لم تزل تبحث لنفسها عن هويتها الرازحة تحت أكثر من هول ونير ..؟ أم مصالح الأنظمة المحلية منها والإقليمية والدولية، التي لديها الاستعداد على نسف كل شيء في سبيل بقاء البعض ومصالح الآخرين ..؟

اعتقد – ودون التقليل من شأن الملتقى كحاضن ثقافي معرفي – أن العملية تحتاج إلى حوارات بينية لدى كل طرف، وإلى مرجعيات سياسية تحسم أمرها وموقفها من قضية حساسة كالتي أمامنا، ومن ثم وضع الشارع في صورة الخيار المطروح سياسياً ليقوم هو الآخر بالإدلاء برأيه – من خلال صناديق الاقتراع -، وهذا بحد ذاته يقودنا إلى البحث في وضع الشارعين، وإلا فإن المسألة لا تعدو عن كونها إعلامية فقط، ولا تتجاوز حدود العاطفة .

لأن هناك ما هو مضمر في الصدور لدى المعنيين بالأمر – كأطراف – لم يتم الإفصاح عنه حتى اللحظة لأسباب تستند إلى أكثر من عامل، وقد تم توضيح بعضها .

فالحوار الذي ينبغي أن يكون أولاً، ليجسد في داخله حوارات على نموذج الملتقى، هو الحوار البيني وفي إطار البيت الداخلي، الذي من شأنه رأب الصدع داخل النسق المعني كطرف في المعادلة، وبلورة الرؤية صوب القضايا العالقة والمشتركة، وإلا – وحالة الكل ماثلة أمامنا – فإن الحوارات الفوقية ستولد ميتة لدى البعض، ومميتة لدى آخرين .

 

 

 
 
 
 
Copyright © 2004 Knntv.net