وللارتزاق مسمياتها
روني علي
قبل فترة هزت القائمة التي نشرت في (المدى)، أوصال بعض المثقفين والمتثاقفين، ورجالات الأعمال والسياسية والصحافة والفن والحكم، في المغرب والمشرق العربيين، بل وقد تحسس حتى البعض في الدول أو من الشعوب الغير ناطقة بالضاد والبعيدة عن جغرافيا العراق من تداعيات القائمة، خشية أن تحشرها في تسلسلها، ويكونوا هم الآخرون في عداد الكوبونيين، أو القابضين من بيت مال الحكم العراقي المنهار .
وبغض النظر عن مدى دقة القائمة في تفاصيلها، والإشكال الذي أثارته، فإن الذي حصل لم يكن سوى رفع الغطاء والقناع من قبل (المدى)، عن ظاهرة (الارتزاق) وحالة (البعض) من المتسولين في أسواق (عكاز) السياسة، والعارضين أقلامهم ونتاج جهودهم في أسواق (النخاسة) وأزقة (الانحطاط الخلقي) لا أكثر. وهذا ليس بجديد في عالمنا الذي يسوده (حلال عالشاطر) ويسيطر عليه مقولة (كل شيء وله ثمنه ومقابله)، ويرزح تحت وطأة (الجزمة والسوط)، اللذان يدفعان بالكثيرين – اختلالاً - إلى هجر الوطن كحاضن، والإبقاء على الانتماء الهويوية كرقم مواطنوي، وهو ليس طارئ على الموروث الثقافي / السياسي – ابتداء من كتاب وشعراء البلاط - الذي عشعش في عقول ونفوس الكثيرين، الذين لا رادع يردعهم عن ارتكاب أبشع الجرائم بحق الفكر والثقافة والإنسان، ولا قيم تحفز سلوكياتهم للارتقاء بكرامة المبدع، والحفاظ على مصداقية الكلمة ونزاهة القلم، سوى ارتباط القائمة بدكتاتور ولى عهده، وبنظام انهار كيانه من جهة، ومن جهة أخرى، انكشاف المستور وانقلاب توازنات البنية السياسية والأخلاقية لدى الكثيرين، وخاصة (المدافعين) منهم عن حقوق الإنسان، و(المناضلين) عن مسائل الديمقراطية والحريات العامة، وهذا ما دفع بالبعض إلى الصياح والصراخ في وجه القائمة المذكورة، لا إدانةً للفعل بذاته، كونه متفش في أكثر من زاوية ووكر، بقدر ما هو تذمر من سقوط ولي النعم، والخشية من انقطاع الصنبور مستقبلاً من جهات أخرى ..
ولو نظرنا إلى المسألة من زاوية الموضوعية، لوجدنا أن الأمر (بسيط كالماء وواضح كطلقة مسدس) كونه متعلق بمعادلة العرض والطلب، ومرتبط بحالة عامة لها تجسيداتها المختلفة، وإن كانت بمسميات متعددة . وهنا أذكر تلك الحكاية الشائعة، بأن أحد الرعاة كان يحضر خطبة إمام المسجد أيام الجمع، فوجد أن الإمام – وفي كل خطبة – يأتي على ذكر اسم محمد وعيسى وموسى وإبراهيم وآدم .. إلخ دون التطرق إلى اسمه، فسأله الراعي أثناء الخروج عن سبب تجاهله لاسمه، فأجابه الخطيب بأن ذلك حرام، كون الأسماء المذكورة هي للرسل والأنبياء، فقال له الراعي، إن ذكرت اسمي في الخطبة القادمة، سأهبك الأغنام التي بحوزتي كلها. وكان له ما أراد، حيث سرد الخطيب الأسماء الآنفة الذكر وقد حشر بينهم اسم الراعي، فما كان من أحد المستمعين ( العارفين في أمور الدين ) أن صاح : أخطأت يا شيخنا، فأجابه الإمام : اسكت اسكتون، الغنم ثلاثون، لك منها عشر ولي عشرون ..؟. وإن تتحول النسبة لدى البعض لتصبح، لك منها واحدة ولي تسع وتسعون ..؟!.
لنعد إلى تجسيدات الحالة، في مقارنة مع ما يحصل تحت مسميات أخرى، منطلقين من قناعة بأن للارتزاق مدلول واحد، وإن اختلفت الأقنعة، وأن العرض يتطلب شيئاً واحداً، يتجسد في تخلي الإنسان عن (إنسانيته) و(إرادته) مقابل حصوله على المغنم .
لنفكر في القاضي (الوطني) الذي يشتري المنصب على حساب القضايا، راشياً بذلك عبر (الوسيط بنسبته) أصحاب القرار، ومترشياً عبر (الوسيط بنسبته) من أصحاب الدعاوى، والأستاذ الجامعي الذي يتلاعب عبر (الوسيط بنسبته) بأخلاقية التعليم، على حساب جهد الطلبة، والسياسي (المناضل) الذي يؤجر مواقفه وآرائه على حساب قضية شعبه، عبر بعض الأبواق والمطبلين .. إلخ ، ألم تصب كلها في نفس الخانة..؟. سوى أن الفرق بين هذا وذاك، بين من يؤجر نفسه لديكتاتور، ومن يعمل تحت أقنعة النضال والوطنية، يتمحور في لفظ الأول والازدراء منه، والتطبيل للثاني..؟ فلا زلت أتذكر جيداً بأننا كنا – في مرحلة الحرب الباردة وإيديولوجيتها (الطبقية) – نتابع أخبار أولئك (الأبطال) الذين كانوا يقدمون الأخبار عن بلدانهم إلى طليعة المنظومة الاشتراكية، وننظر لهم – من خلال قراءتنا لبطولاتهم – من زاوية الفعل النضالي، بعكس (الخائن) الذي كان يقدم مثل تلك المعلومات إلى دولة أخرى، مع أن القاسم المشترك في كلا الحالتين، يتجسد في » إعطاء معلومات إلى جهة خارجية «، وكذلك تتغير زاوية النظر – حسب الإيديولوجيا والانتماء العقائدي – بين أولئك الذين ترفرف الأعلام الحمراء فوق اجتماعاتهم إلى جانب أعلامهم الوطنية، مع أن شعار عقيدتهم ليس العلم الروسي، بل المطرقة والمنجل، وأولئك الذين يتهمون بمساسهم بالسيادة الوطنية، إذا ما عبروا عن حبهم للون علمهم القومي ..؟.
أما كردياً، وكوننا حالة (نضالية)، أو هكذا يجب أن نكون، فما زلنا نشكو من الولاءات والتبعية، لأولياء الأمر والقرار، من شراء الذمم والأصوات وتأجيرها، وتشكيل جوقات للتطبيل والتذمير، وإن كان بنسبة واحد بالمائة من النسبة التي يحصل عليها المرتزقون، أو من ريع بيع تواقيع الأحزاب في الدول الأوربية لأبناء شعبنا الذين يبتغون الإقامة فيها، أو من المتاجرة بقضايا المعتقلين لدى الهيئات والمنظمات الدولية، بهدف الربح لا أكثر.. أو .. أو ...
فالقضية – باعتقادي – تستند إلى جذر واحد، في مسائل الارتزاق والارتماء في أحضان الآخرين، سواء أحمل طابع النضال والدفاع عن قضايا الإنسان، أو شكل آخر وبمسميات أخرى.. فما الفرق بين شخص، أو حزب سياسي يقود ( فعلاً نضالياً ) يغير بين الفينة والأخرى من ولاءاته لهذا الطرف أو ذاك، مقابل حفنة من الاعطيات المادية أو المعنوية، أو دخوله في سلك مخططات السلطة التي تشكل بالنسبة لها ( معارضة ) سياسية ..؟. وما الفرق بين السياسي الذي يقبض مخصصاته في الأقبية المظلمة، أو من دعاة النضال والفعل التغييري .. وكذلك بين الكاتب الذي يؤجر قلمه لبلاط السلطة، والذي يؤجره لزعيم أو قائد، يناصره مدحاً وامتداحاً سواء في انتصاراته وأمجاده أو انتكاساته وكبواته، ومثل ذلك الذي يحمل متراس الدفاع عن خط أو نسغ محارباً الكل بحثاً عن الشهرة أو رضى أولياء النعم ..؟.. وهكذا دواليك.
ألست النتيجة واحدة، تتجسد في لفظ الأنا والذات، والارتماء في أحضان الأعطيات ..؟