فوق أراجيح الوطن
روني علي
ثمة تعقيدات بحجم البثور والنتوءات المنتشرة على سطح أجسادنا، تلف عالمنا الصغير، وثمة أيقونات نضعها على القبيح في وجداننا، كمكياجات لتزيين النشاز مما هو في ضمائرنا، لنتبرج من خلالها، ونخرج إلى الآخر في حلة، علها تسعفنا وتسعف الخصال التي وأدت أو وأدناها في أنفسنا، والخيال الذي اقفر تحت سطوة هلوساتنا، لننفخ بها في الرماد من جديد، علها تجلب لنا شيئاً من نشوة الذات المنكسرة، وانتصار المهزوم على الهزيمة، والمعربد على الدن، والمنافق على النفاق .. إلخ، دون أن ندرك بأن العملية برمتها، ليست سوى إحياء لقيم وهي في أغلبه رميم ..!؟.
ثمة تساؤلات تقفز إلى المتبقي من ذاكرتنا المهشمة المهمشة، ونحن نتسلق أراجيح الخيال والخصال، المنكسرة الركائز، لنستنشق من خلالها ولو لمرة واحدة، حفنة هواء لم يجاريه الفساد بعد، أو يغازله الدجل والتملق والمواربة والنفاق .. حفنة هواء لم يطاله بعد الموقف والقرار، ولم تلفظه الأقبية المظلمة، أو اجتماعات قادتنا، خاصةً تلك المتعلقة منها بإنجاز الإطار الشامل، أو الاتحاد السياسي، أو توحيد الصفوف، سواء منها ما كانت على يمين ماركس، أو يسار ستالين ..؟!. ترى ماذا نبتغي ونحن نلتقط الفتات من أيادٍ شوهت ذكرياتنا وذاكرتنا، وعجنت اللقمة بسموم وسموم، نتناول الموقف والقرار – من حيث ندري أو لا ندري – من مصادر دجنت ( كبرياءنا )، وخنثت ( فحولتنا )، لنصنع بها من خيالنا المجدوب أراجيح في الهواء، سواء أكانت أراجيح النضال، أم أراجيح اللهو على أوتار قيثارة الوطن والمواطن والمواطنوية ..؟!. ما الذي نهدف إليه ونحن نصنع السيوف والمتاريس لنواجه بهما خصوم وأعداء هي من صنع ذواتنا..؟! سواء في الوطن، أو في الرقعة التي تلف أجسادنا من الأخمص إلى الأخمص، ومن الشريان إلى الوريد، أو في أطر أحزابنا، أو حتى في فراش نومنا، وسرير أحلامنا ..؟!.
اعتقد أن الوهم ينتهي دائماً بصاحبه، وإن طال الأمد قليلاً، والمكر يدفعه لأن يتبوأ موقعاً على صخور من الملح، قد يترنح قليلاً في انتشائه، لكنه ساقط لا محالة .. فالمعضلة لا تكمن في مقولتنا السائدة »حلال عالشاطر« بل في استمرارية الشطارة، وعدم انشطارها، حتى لا ينشطر بها الذات بأوهامها وخيالها .. ترى أين نحن من كل هذا ..؟! .
في قراءتنا لدفاتر ذكرياتنا اليومية، ننتصب خاشعين أحياناً للظاهر والباطن فينا، وأحياناً نمرغ وجوهنا في الوسائد، خشية أن يرانا أحد على عرينا الأخلاقي، وخوانا الشمولي، خاصةً إذا كنا نقرأ الصفحات المتعلقة بالمهام، وسيرة البعض، من الذين رافقناهم ورافقونا على أنهم ربان سفننا..؟! . حينها يخال لنا بأننا فاقدي رسالتنا، وفاشلين في مهامنا، مقارنة مع حجم القفزات التي تواجه ما بنيناه، وتصارع ما نبنيه، خاصةً ونحن – حسب الكثيرين – دعاة التغير، والبعض منا جنود مجهولين، مع إدراكنا التام بأن لكل مرحلة سماتها، ولكل زمن أبطاله.. لكن أن يكون البطل لكل الأزمنة، فهذا الذي لا يفهم .
في لحظات خاطفة، بين الشرود واليقظة، تنتابنا – رغماً عنا - قشعريرة التوجس والخوف والحذر من الذي يجري من حولنا، من إذلال الإنسان لذله، وعرضه لقلبه وعقله وقراره وإرادته في بازار الوطنية مقابل أثمان بخسه، وهو لم يزل يدفع بكل ما أوتي من قوة، في ساحة الصراع، محارباً الخصم الواهم، ملوحاً سيف الاتهامات يميناً وشمالاً، متهماً من يحاول سحب بساط الامتيازات من تحت قدميه، بالارتزاق والارتباط والارتماء في أحضان الخندق الآخر .. لأن الكل في بحثه عن المجد والشهرة، حتى وإن كان سراباً، يشرعن الوسيلة، والكل في مبتغاه، بغض النظر عن الشكل واللون، يحلل السلوك، ولا ضير إن تمنطق وفق هندام الآخرين، مرتزقاً كان أو مبتذلاً، وسلك مسالك أولي الأمر والنعم، ليجيد التعامل مع الوطن، والتعاطي مع المواطن، وهو يتسلق أراجيح الوطنية .. حتى لو تطلب ذلك نعت الأمهات بفشلهن في تربية الجيل، وتحويل الأطر إلى حلبات للصراع والتصارع، والجمال إلى برك آسنة تعج بالمتناقضات .. فهذا ما تبرره ثقافة الاقصاء وذهنية اللامنتمي، إذا ما استندا إلى السوط والكبل المجدول، سواء أكان ذلك في السر أو علانية، أو احتمى بالإطار القبلي/السياسي/التنظيمي ..؟!.
في سالف الأيام، كنا نتباهى بتقاسمنا لكسرة خبزنا الفكري، وتشاركنا في صنع القرار، وتقاربنا في الموقف والرأي، لكن ما إن أطل علينا التناحر والتصارع على المقعد وما لف لفه برأسه، وبفعل فاعل، حتى كان الخبز والتشارك والتقارب طعماً للأبواق، ومصيدة لذوي النزعات الوصولية، جارفاً تحت قدميه القيم والجمال والخصال، لتبقى أرجوحة الوطن متسعاً وحكراً – أحادية الجانب – للمنتصر، دون أن ينجو من شرور الضغائن، حتى أولئك الذين لا هم لهم في المعركة سوى النجاة، وفي الهدف سوى لملمة الجراح، ومداراة الهزيمة.. فليس العجب في التناحر والتصارع، إنما في وأد من لا يصفق لأقطابها، محاولاً بكل ما يستطيع، من دفع تبعات الهزيمة ومرتكزاتها، لا لمصلحة يبتغيه لذاته، وإنما لصالح المجموع ..؟!.