ردا على فهمي الهويدي و ياسين الحاج صالح
نذير سلو
nezirsilo@hotmail.com
من الامور المسلمة بها ان الفعل يخلق رد الفعل و ان النزاعات تحاك النزاعات و العصبية بكل اشكالها تؤجج العصبيات الاخرى و تتأزم الامور و تتحول الى عقد عمياء و امراض مزمنة لا تندمل بسهولة و تترك آثار تحتاج دهرا كي تزال.
لم يكن واردا في ذهني يوما من الايام ان ارد على آراء شخص ما, لكن وصل السيل الزبا و ما ارد عليها ليست افكار لبعض الاشخاص , انما منظومة فكرية قائمة في السلطات و مترسخة في عقول الكثير من المثقفين. انني لن ارد على طرف واحد وانما ساقوم بالرد على الطرفين المعنيين. لان العلة و المشكلة لا تكمن في طرف واحد, و لن يكون عدلا ان نتحامل على طرف دون الاخر. و من دون توجيه النقد الحاد الى الطرفين لا يمكننا مداواة العلة التي نواجهها اليوم و التي وصلت الى ابعاد اراها خطيرة و مدمرة لكل الاطراف.
ليس الكرد وحدهم معنيين بهذه العلة, انما العرب و الفرس و الاتراك و اليهود, و كل المنطقة مع الغرب, القديم و الجديد, الحداثي و الاصولي و ما الى ذلك من متناقضات كلهم معنيين بعذه العلة. الظاهر اننا نواجه ظاهرة اسميها بالتعصب واريد ان اذكر هنا مقولة البيروني في ذلك اذ يقول: ( ان التعصب بكل اشكالها يعمى البصيرة.) اقول فعلا نواجه ظاهرة خطيرة لاننا نفقد بها النظرة السليمة و الصحيحة و بالتالي نواجهها بطريقة عقيمة لا تولد الحلول اللازمة لحلها.
ان مصير الاكراد يشكل مصدر للقلق و عدم الاستقرار في المنطقة. و انطلاقا من هذه الحقيقة علينا تناول الشأن الكردي. الجميع يعلم باننا على عتبة يتم فيها تحديد معالم منطقتنا حسب مقتضيات النظام العالمي الجديد. و ان الاكراد يتذكرون الفرص التاريخية التي آتتهم و ضاعت منهم, لذا فهم حريصون جدا على الاستفادة من الفرصة التي سنحت لهم باسقاط النظتم الدكتاتوري البعثي في العراق. ان مصير و مستقبل جميع الاكراد رهن بمصير و مستقبل و مستوى الحقوق التي سينالها الاكراد في العراق, و هذا ما يجعل من كردستان العراق محط انظار كل الاكراد في باقي الاجزاء التي يعيشون فيها. لكنني اريد ان اضيف على هذا مسالة اخرى اجدها مصيرية و تستحق ان يلتفت اليها شعبنا و ساستنا الا وهي السياسة التركية التي تنكر وجود الاكراد, مما يحولها-اي الدولة التركية- الى مركز للتحالفات الاقليمية و الدولية ضد ارادة و مطاليب الاكراد في اية بقعة من العالم. هنا اقول هل الاكراد مصدر قلق وعدم الاستقرار؟ نعم, و ارى انه واجب على كل القوى الدولية و الاقليمية رؤية هذا العامل المهم و الذي لا يقل عن عامل الصراع الفلسطيني و الاسرائيلي في استقرار و عدم استقرار المنطقة, خصوصا وان الاكراد من القوة و الشأن في هذه الظروف ما لا يقاس مع اي فترة اخرى. لكن هل الاكراد صائبون في سبلهم و ممارساتهم السياسية؟ ان هذا مطروح للنقاش و الانتقاد وهذا ما ساوضح ارائي بصددها.
اذا تمعنا في ذهنية و ماهية تناول الدول الاقليمية للقضية الكردية, نجد ان سياسة الانكار و اتباع العنهجية في التعامل قائم بشكل راسخ لديهم. ان اي محاولة او مطالبة بالحقوق القومية للاكراد تواجه بالحديد و الدم في كل من سورية و تركية و ايران و حتى لدى قسم من العراقيين. اذا كان تموقع الاكراد الجغرافي يلعب دور سلبي لا يقاس ضدهم, لا يعني ذلك ان يظلوا حائرين في اختيارهم بين السيء و الاسوء. وهذا ليس بقدرهم كما قال الاستاذ فهمي هويدي في مقالته المنشورة في الشرق الاوسط بتاريخ 15-7-2004 بعنوان (قدر الاكراد في الاختيار بين السيء و الاسوء). لماذا؟ هذا و يتابع الكاتب ( ان الكراد فتحوا الابواب الكردية للمخابرات الاسرائيلية.........و ما عد من الخطوط الحمراء التي اساءت كثيرا الى الاكراد و شوهت صورتهم.) اية صورة يدعيها الكاتب؟ و هل سمحت الدول المسيطرة على الشعب الكردي ان تبان لهم صورة سوى الصورة التي هم ارادوا ان يكون عليها الكردي.
انا لا ادافع عن علاقة الاكراد مع اسرائيل. لكن اقول ان للاكراد مثلهم كأي شعب اخر حق بان يتعاملوا و يعقدوا العلاقات مع اي كان ان كانت مصلحتهم تقتضي ذلك. لكن اليست الانظمة القائمة في سورية و تركية وايران و بعض القوى المتعصبة في العراق هي التي تمهد و مهدت العلاقة بين الاكراد و اسرائيل. و ما الغيض في هذه العلاقة, شانها شان اي علاقة ما بين اسرائيل و الدول الاخرى. الا يتطلب من الفئة المثقفة بالتحديد ان تعالج هذه المسالة من زاوية اخرى, اي ان تبحث عن الاسباب الكامنة وراء تطوير هذه العلاقة. اليست سياسة الانكار و الامحاء التي يتعرض لها الاكراد هي السبب الرئيسي وراء بحث الاكراد عن مخرج للحياة لهم مع اية قوة كانت؟ و اذا كانت علاقة الانظمة السورية و التركية و الايرانية و بعض القوى العراقية على اساس الاخوة و الاحترام و الاعتراف المتبادل, فهل كانت ستؤدي بالاكراد الى البحث عن قوة خارجية عن الدول المجاورة و التي يعيشون فيها.
اما الكاتب ياسين الحاج صالح في مقالته المنشورة في جريدة السفير بتارخ 17-7-2004 بعنوان ( اعادة هيكلة الوعي القومي الكردي) يدعي في مقالته المذكورة( بان الاكراد تحولوا الى التحالف مع الامريكيين على الصعيد السياسي). هل ما هو عادة للاخرين عيب للاكراد؟ وهل لا يستحق الاكراد ان يبحثوا عن حليف اذا كانوا مطوقيين باعداء؟ وما زاد من حنقي من مقالة الكاتب هو انه يتهم الاكراد و كانهم يرتكبون جرما بحق الانسانية في حين انه لا يتطرق باي شكل الى سياسات الانظمة التي تسيطر على الاكراد و تنكرهم و تسحقهم. لنقبل بصحة منطق تحليل السيد ياسين لهذه العلاقة, لكن الا يتطلب ان نظهر الاسباب الحقيقية و الدوافع الاساسية التي تؤدي بالاكراد الى سلك هذا الدرب؟ و يتابع الكاتب اتهاماته( بانه تطور عند الاكراد بروز تماه مع الغرب على الصعيد الثقافي و معاداة العرب و الاستعلاء و نفور منهم). ليتابع و يسند هذه الادعاءات بان الاكراد يدعون بانهم آريون و يستخدمون الاحرف اللاتينية. ما يظهر من اراء الكاتب بانه قوموي النزعة و مستبد في الحياة. فما علاقة آرية الاكراد و هي حقيقة تاريخية لم يخلقها احد و الحروف اللاتينية التي هي الوحيدة الصالحة للاسخدام في كتابة اللغة الكردية بالنفور و الاستعلاء الكردي على العربي. الا يعني انكار الاخر و قبول حياة ادني من حياة العبيد لائقة به ذروة الاستعلاء و النفور. ان السيد ياسين لا يعبر الا عن حالة شوفينية متزمتة قائمة لا ترضى بوجود الغير و المختلف عنه.
اما بالنسبة للجانب الكردي فانني احس بمخاوف كثيرة تجاه تصرفاته و سلوكه السياسي. لقد توجه الخطاب الكردي السياسي بعد سقوط نظام صدام حسين نحو التعصب القومي, و ان الكثير من المثقفين الاكراد اصابهم نشوة انتصار الاخرين. صحيح ان سقوط النظام البعثي انتصار لعموم المنطقة, الا ان فوائدها للاكراد غير مرهونة بهم فقط لما للتعقيد الكامن في الشأن الكردي. و انا واثق من ان طبيعة هذا الخطاب السياسي القومي ادت الى تاجيج التعصبية لدى الاطراف الاخرى و آلت الى بروز هذه الهجمات المكثفة على الاكراد بكل انواعها.
انا ايضا اعيش القلق الذي يعيشه كل الاكراد على مصيرنا, لاننا لا نملك سند دولي او قانوني و يعارضنا انظمة اقليمية لها وزن و تاثير في العلاقات الدولية. لا اتفق مع الطرح القومي المتصاعد لدى بعض الساسة و المثقفين الاكراد. و لا ارى مثلهم بان الدولة الكردية الموحدة و المستقلة تمر عبر انشاء الدولة القومية المستقلة. لاننا في زمن يتعولم فيه كل شيء و باتت الاتحادات الاقليمية احدى ابرز سمات عصرنا الراهن. لذا فان شرق اوسط ديمقراطي بالنسبة لي كردستان حرة. و لهذا فانني اجد ان الطرح القوموي الكردي في كردستان العراق ليس بموضوعي, وقضية (ارفع حد مطاليبك الى اعلى المستويات كي تكسب اكثر) اخاف ان ينعكس بشكل سلبي يؤثر بشكل وخيم على المصالح الكردية.
ان تعالي صوت الخطاب السياسي القوموي الكردي خلق رد فعل مماثل في الاوساط المهتمة بالموضوع الكردي. و ارى بان هذا الجانب يستحق الانتقاد. و ان انحصار النضال الكردي على الجانب السياسي فقط, ليس كفيل بضمانة الحقوق القومية للشعب الكردي. فلا الاعتراف الدولي و لا الدستور القطري كفيلان بذلك. لان الكيان القومي و الوجود القومي الحر لا يعتمد فقط يستندان فقط على الاعترافات القانونية, انما يستندان على بناء البنيان التحتي و الفوقي بشكل متكامل و عصري. و هذا ما لا يمكن لاحد ان يعترض عليه و يستطيع الاكراد ان يقوموا به دون اذن او دستور. بالاحرى ان دمقرطة الانظمة التي يعيش الاكراد في دولهم, هي الضمانة الوحيدة لحقوقهم القومية و هذا ما اؤكد عليه بقوة و اصرار.
الجانب الاخر حسب قناعتي هو وجوب عقلنة الخطاب السياسي الكردي ليتماشى مع العصر و برامجه النضالية. فبالرغم من ان البرامج السياسية النضالية لكل القوى الكردية تؤكد على وحدة الدول التي يعيشون فيها و يشيدون بالاخوة المشتركة للشعوب القاطنة فيها و تفند ارساء نظم ديمقراطية, الا ان الخطاب الكردي يبقى عاطفي و لا يزال يستند على خلفية مرحلة الانكار الذي مورس بحقه. و هذا ما يجعله عرضة لتعنيف الاخر و فقدان دعم و تعاون الاخرين له. و هذا ما نشهده الان.
ان الاكراد لهم مصالح وغير مجبرين على الدوران في فلك اسيادهم و التبعية لسياساتهم و التصفيق و الترويج لهم. لكن الاكراد ايضا مطالبين بتفهم الاخر و التفاعل الايجابي معه تجنبا للسوء. لان العلاقة اي كانت اشكالها و ماهيتها تحتاج الى التوازن و التوافق. لانه لا يمكن لاي تفاعل ان يتم من دون تبادل. الخلل الموجود في العلاقات الكردية العربية و الكردية التركية و الكردية الفارسية و العربية التركية و العربية الفارسي و العربية الاسرائيلية وووو نابعة من الخلل المذكور و الى حين اصلاح و تجاوز هذا الخلل ستعاني هذه العلاقات من التأزم و المشاكل الراهنة.
هنا ليس فقط الاكراد مطالبون بهيكلة وعيهم القومي من جديد, و انما العرب و الاتراك و الفرس و اليهود كلهم مطالبين بهيكلة وعيهم القومي و السياسي لتجنب المنطقة من حروب قومية كارثية لا تفيد شعوبنا. لاجل ذلك علينا ان نزرع بذور الحب و الاحترام المتبادل بين مختلف القوميات لنعيش على قاعدة متينة للمآخاة في شرق اوسط ديمقراطي ينعم كل القوميات فيه بالحرية و المساواة.