Kurdi English Arabi
Home Contact add to favorites
 
 
 
 
07-10-2004

نوع العلاقة المستقبلية بين الكرد والعرب

يؤسس للعقد السياسي الاجتماعي الجديد بين الشعبين

مصطفى جمعة *

اللجنة التحضيرية للملتقى الثقافي للحوار الكردي – العربي

أيها الحضور الكريم

تحياتنا الحارة لكم جميعا مع الأمل بأن يخرج هذا الملتقى الحواري بفهم مشترك لمستقبل العلاقة الكردية العربية كشعبين لهما مصالح وطموحات ترتبط بالمستقبل انطلاقا من الحاضر الذي نعيشه ونتلمسه ، حتى يصار إلى تأسيس عقد اجتماعي سياسي جديد ، بنيانه التعايش الأخوي والاعتراف بالآخر وبحقوقه .

تتميز كردستان تاريخيا بموقعها الجيوبوليتيكي ، وكانت على الدوام محط أنظار وأطماع الدول الكبرى ، وتعرضت إلى التقسيم الأول عام 1514 إثر معركة جالديران بين القوتين العظميين في حينها ، الدولة العثمانية والدولة الصفوية الفارسية ، مثلما تعرضت إلى المؤامرات والد سائس لاحقا ، من جانب الدول الاستعمارية التي رأت في منطقة الشرق الأوسط امتدادا حيويا لمصالحها وأطماعها . وبسبب هذا الموقع الاستراتيجي الحيوي ، ولاحتضانها أهم الموارد الطبيعية ، ولظروفها الخاصة وبعد اتفاقية سايكس – بيكو ، ولارتباط مصالح معظم دول " عصبة الأمم " بكيانات الدول التي نشأت بعد الحرب العالمية الأولى في المنطقة ، جرى تقسيم كردستان إلى أربعة أجزاء ، أي أن التقسيم الثاني طال الجزء العثماني ، وألحق قسم منه بالدولة السورية

لقد كانت كردستان ، ووضع الشعب الكردي ، في صلب اهتمامات القوى الدولية آنذاك ، وورد ذلك في مؤتمر الصلح في فرساي عام 1919 ، كما ناقش مؤتمر " سيفر " عام 1930هذا الأمر ، وأقر حق الكرد القومي فيه ، في المواد 62 و 63 و 64 إلا أن تبدل الأوضاع والمواقف والمصالح فيما بعد ، بانهيار الدولة العثمانية ، وتسلم الوطنيين الأتراك لمقاليد الحكم ، قد أضرت أيما ضرر بالقضية الكردية وبالطموح الكردي نحو التحرر ، وحق تقرير المصير

ومنذ ذلك الوقت وشعبنا يكافح من أجل حريته وحقوقه القومية ، ودفع ثمنا باهظا من أجل أن يثبت ذاته ووجوده ، ولكن الظروف السياسية الدولية ، التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية خصوصا ، وانقسام العالم على المعسكرين : الاشتراكي والرأسمالي ، والصراع الدائر بينهما ، وبسبب وقوع كردستان في دائرة الصراع هذا ، تعطلت إمكانيات الحل السياسي للقضية الكردية ، مرة أخرى ، وتحولت إلى ورقة مساومات في مشاريع وخطط القوى المعنية ليس إلا

ويمكن اعتبار أن القضية الكردية وضعت أمام الحل السياسي من جديد ، واكتسبت بعدا دوليا ، بدءا من انهيار المنظومة الاشتراكية ، في بداية العقد المنصرم من القرن الماضي ، حيث أن الآفاق قد فتحت أمام التغييرات الكبرى ، على الصعيد العالمي ، وبدا أن نظاما دوليا جديدا ، يأخذ طريقه إلى التشكل . وتبعا لمستوى التحولات والتطورات التي تحصل منذئذ ، وإستفادة من التوجهات السياسية الدولية التي ترمي إلى توفير أرضية النمو الديموقراطي ، والتطور الاجتماعي والاقتصادي والتنموي ، والتأكيد على حقوق الإنسان ، وحل المسائل القومية بالطرق السياسية السلمية، فإن إمكانيات الحل السياسي للقضية الكردية أصبحت متاحة أيضا ، ولكن بالارتباط بوجود قوة كردية مناضلة ، ومعبرة عن طموحات الشعب الكردي .

لقد ناضلت الحركة الكردية ومنذ تأسيس أول حزب كردي ضمن روتين وسياق سياسي لم يتبدل كثيرا طوال هذا التاريخ ، ونعتقد أن الظروف قد تهيأت الآن للانطلاق بروحية جديدة تنم عن الإصرار والتمسك بحقوق شعبنا ، وبناء آلية عمل مناسبة ، تخدم التوجهات النضالية لحركة موحدة ، وقرار كردي موحد ، وتاليا إيجاد خطاب سياسي كردي متناسب مع متغيرات الساحة السياسية في المنطقة ، وتطرح القضية الكردية بأفق جديد ومحاكات الوضع الداخلي من تميزها وخصوصيتها .

ولذلك فإن الشعب الكردي الذي يعيش على أرضه التاريخية ، وجزئه الملحق بسوريا ، شعب أصيل في وجوده ، وهو ليس بطارىء ، ولا بمهاجراستولى على أراضي الغير ، بل هو جزء من شعب كبير في المنطقة ، تعرض إلى التجزئة والاضطهاد القومي . والأنظمة المقتسمة لكردستان ، ومنذ فترة الإلحاق القسري وحتى الآن ، لم تقدم على أية خطوة إيجابية تجاه القضية الكردية ، ولم تبادر إلى أي حل سياسي ، بل مارست أسلوب القهر القومي ، وفي أفضل الأحيان إلى إدارة الأزمة الكردية ، ولم تمتلك في يوم من الأيام إرادة الحل . ولهذا فإن الشعب الكردي المجزأ ، والذي عانى الكثير من جور وظلم السلطات ، يحق له المطالبة – كما كان دائما - بحقوقه وخصوصيته ، ولكن هذه المرة في ظل ظروف أفضل ، ومرحلة سياسية مؤاتية ، ووضع كردي أنسب بكثير ، وبوجود حركة كردية ، تمتلك مشروعها السياسي النضالي ، في مواجهة شوفينية وعناد الأنظمة الغاصبة ، التي استطاعت أن تقاوم وتعاند حتى الآن رياح التغيير ، والديموقراطية وحقوق الانسان .

ولذلك فأن نضال شعبنا من أجل حريته ، وإثبات وجوده ، وامتلاك مستقبله ومصيره ، يمر بالضرورة ، عبر الارتباط المصيري بين التيارات والحركات الكردية في الأجزاء المختلفة ، ولكن مع مراعات خصوصية كل جزء ، وحساسية وضعه ، وساحة عمله السياسية . ولهذا نعتقد أن نضالنا ومنحى عملنا السياسي ، سيأخذ في هذه المرحلة اتجاهات عديدة:

•  نحو ترتيب البيت الكردي وإيجاد المرجعية الكردية التي تحاكي الحالة السياسية في البلد والمنطقة .

•  نحو القوى والأحزاب السياسية السورية والشخصيات المتنورة والمثقفة جميعها ، لإيجاد العلاقة التكاملية التكافئية الأخوية بين ممثلي الكتلتين القوميتين العربية والكردية ، كطرفين لهما مصلحة مشتركة في التغيير الديموقراطي ، والاصلاح السياسي .

- باتجاه النظام السياسي في البلد ، وضرورة أن يستشف مخاطر المرحلة الراهنة ، ويفسح المجال أمام هذه القوى السياسية لتأخذ دورها المشارك في القرار السياسي ، حيث أن الجميع معنيون بمستقبل البلد ، وبوحدته وصيانته وازدهاره .

يتوسط الشعب الكردي ، ثلاث شعوب أخرى هي العربية والتركية والفارسية ، وترتبط هذه الشعوب مع بعضها بعلاقات تاريخية ، وثقافية وحضارية واجتماعية ، ولها مصالح اقتصادية أيضا ، تعكس سلامة العلاقة البشرية بين الناس والشعوب إذا لم تفسدها التوجهات العنصرية للأنظمة الحاكمة . وحيث أن هذه الشعوب ، هي العنصر الأساس في منطقة الشرق الأوسط ، وتشغل مساحة شاسعة فيها ، وحيث تحتضن المنطقة في باطنها ، أكبر مخزون نفطي في العالم ، إضافة إلى الموارد الطبيعية الأخرى فإنها بقيت في حالة أزمة دائمة، تحمل إرهاصات الحالة الاجتماعية ، والقومية والإثنية طوال العقود المنصرمة بسبب تدخلات القوى الاستعمارية في الماضي ، من جهة ، وبسبب تعقيدات الحالة السياسية ، وعدم حل المسائل القومية حتى الوقت الراهن ، من جهة أخرى . أي أن السلام المنشود للمنطقة في المسافة الزمنية الراهنة ، يتطلب قبل أي شيء آخر الإقدام على حل القضيتين القوميتين الأساسيتين : الكردية والفلسطينية ، حلا ديموقراطيا سلميا ، يؤكد على العيش المشترك بين شعوبها ، ولكي يمكن اعتبار أن المنطقة تسير نحو الاستقرار والسلام المنشودين ، فإن الفهم المشترك للهواجس التي تشغل بال شعوب المنطقة ، وخاصة الشعب الكردي ، لأنه عانى الكثير من الظلم والإجحاف والقسرية ، هو المدخل الأول نحو إيجاد الحلول المناسبة لكل المشاكل العالقة حتى الآن ، إذ لم تكن القوى السياسية العربية على مستوى المسؤوليات الملقاة على عاتقها في المرحلة التاريخية المنصرمة ، أو أن أكثريتها كانت أيضا من طبيعة أنظمتها الشوفينية ، ولا زال الكثير منها تحمـل نفـس

توجهات الماضي البغيض

لقد تم تجاهل وتناسي الكرد على الدوام من الجانب العربي ، رسميا كان أم شعبيا ويعود السبب في ذلك إلى الثقافة السائدة بين السواد الأعظم من الأخوة العرب كون الكرد مسلمون ولا فرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى ، ولانشغال العربي بقضاياه ومشاكله مما لم يفسح أمامه المجال للاهتمام بالآخرين ، ولسبب وجيه آخر هو الفكر القومي الشوفيني الذي أسس لثقافة عنصرية ساد المجتمعات العربية طوال عقود من الزمن ، أظهر العربي متعاليا ، مستأثرا ومتسلطا على كل ما بداخل هذه الأوطان ، وغير معترف بالخصوصيات القومية أو الاثنية الأخرى ، وتعزز لديه هذا الميل مع تأسيس الدول القومية في أكثر من بلد عربي ، وتحول كل همه إلى فرض نظرته وثقافته ورؤيته على الآخرين ، وعمل على إقصائه واستبعاده من الشراكة العادلة في مؤسسات الدولة وفي قراراتها المصيرية ، مما أبقى على حالة مأزومة ومستفحلة أضرت بالمستقبل الباهر والتطور المطلوب لهذه الدول ، هذا من جانب ، أما من الجانب الآخر فإن الحركة الكردية وعلى مدى تاريخها منذ عشرات السنين ، قد أخفقت هي أيضا في التأثير على معادلات الوضع الداخلي في البلاد ، وجعل القضية الكردية قضية راهنة تتطلب حلا ديموقراطيا حضاريا ، وكذلك إيجاد شكل العلاقة المناسبة مع القوى والأحزاب العربية التي لم تكن لتستوعب الحالة الكردية والمسألة الكردية كحقيقة قائمة لا يمكن تجاوزها بإدارة الظهر لها ولمترتباتها والتي جاءت أحداث الثاني عشر من آذار في القامشلي وما تلاها وامتداداتها دليلا على وجود أزمة وقضية كان على الجميع تداركها بفهم وتقبل الوجود الكردي التاريخي والحقوق القومية الكردية .

لا زلنا نعاني في سورية من سياسيات شوفينية تنكر الحقوق الكردية المشروعة ، كما يعاني الكرد من الظلم والإجحاف ، وتطبق بحقه سياسات الإقصاء وإبقائهم هامشيين ، كما أن المناطق الكردية تعرضت إلى عملية تعريب شاملة ، مسحت المناطق الكردية من أقصى شمالها الشرقي إلى أقصى شمالها الغربي . يجري ذلك في إطار نهج سياسي سلطوي ، يستمر منذ عقود ، على الرغم من أن الكرد عنصر نشط وفعال وحيوي في كافة مجالات الحياة اليومية ، ويساهمون بنكران ذات ، في بناء الوطن ورفعة شأنه ، ويدافعون عن ترابه واستقلاله ، ويخدمون في الجيش لصيانة وحدته . وبعد أحداث الثاني عشر من آذار المنصرم جرى اعتقال الآلاف من أبناء شعبنا ، ولا زال المئات معتقلون في السجون والمعتقلات ، دون معرفة مصيرهم . إن موقف السلطات سلبي للغاية تجاه القضية الكردية في سوريا ، فهو لا يتعدى الاعتراف بكون الكرد "عرب سوريون " لا أكثر ولا أقل ، ومن هذه النظرة العنصرية يجري التعامل مع الوجود الكردي ومع المواطنين الكرد حتى الآن ، رغم أن رئيس الجمهورية قد أقر بوجود القومية الكردية كجزء أساسي من النسيج الوطني السوري وجزء من تاريخ سوريا . إننا نرى أن الدولة معنية الآن أكثر من أي وقت مضى بالوقوف على كافة المشاكل والمسائل العالقة ، ومن ضمنها المسألة الكردية ، وإيجاد الحلول المناسبة لها درءا للأخطار المستقبلية ، وتعزيزا للوحدة الوطنية التي هي السياج الأضمن للتقدم والتطور والتحضر ، وهي مطالبة ومدعوة إلى اتخاذ الخطوات العملية التالية تجاه الحالة الكردية حتى يشعر الكردي فعلا بأنه جزء من النسيج السوري ومن تاريخه

•  الاعتراف الدستوري بوجود الشعب الكردي وحقوقه القومية المشروعة .

•  إلغاء كافة القوانين والإجراءات الاستثنائية التي طبقت في المناطق الكردية ، بهدف رفع الغبن والظلم اللذين لحقا بأبناء شعبنا طوال العقود الماضية ، ومن ضمنها الإحصاء الاستثنائي الجائر، الذي يعاني ثلاثمائة ألف كردي من تبعاته ومترتباته ، ويجب إلغاء نتائج هذا الإحصاء ، وليس إعادة الجنسية إلى البعض فقط وحرمان الباقين ، من خلال مقولة أنهم جاؤوا من تركيا .

•  وقف سياسات التعريب وإزالة آثاره بإعادة الأسماء الكردية إلى القرى والبلدات والمدن الكردية ، فنحن كرد سوريون ولسنا عربا ، ولنا خصوصياتنا القومية المميزة ، ويجب إفساح المجال أمام أبناء شعبنا الدراسة والتعلم بلغته الكردية .

لا نقصد في هذه المداخلة ومن هذا المنبر اللوم والعتاب بقدر ما نريد التأكيد على المصير المشترك ، والشراكة العادلة ، والتآخي العربي الكردي ، كشعبين تساوى أحيانا في الظلم والقهر ، من جانب الأنظمة ، ولكن العربي بقي يحمل هويته السياسية ، ويدرس بلغته ، أما الكردي فتعرض إلى الإبادة والاضطهاد ، والتعريب والأنفال والتهجير وكافة صنوف القهر والتمزيق . أي أن العلاقة بين الكردي والعربي في ظل ثقافة الإقصاء والنفي التي رسختها الأنظمة ، في عقول وأذهان البسطاء ، كانت في حالة الاحتدام والتنافر بين الطرفين ، مما أوجد التباعد والتربص ، بدل تضييق الهوة وردمها ، والآن فإن إحدى أولويات الفهم المشترك لهذا التاريخ السئ أن تبادر القوى السياسية العربية والشخصيات الواعية والمثقفة إلى إعلان تضامنها ودعمها لمطالب الشعب الكردي ، كشعب صديق ومتآخي يرتبط بصلات تاريخية وجغرافية وحضارية وحتى مصيرية أحيانا بأخيه الشعب العربي ، في اتحاد اختياري وشراكة عادلة ، أساسها المصالح المشتركة والطموحات المشتركة ، والغيرة على بعضنا لا من بعضنا .

إن أنصع دليل الآن على صحة العلاقة الأخوية والاتحاد الاختياري والمصالح المشتركة بين الشعبين الكردي والعربي ، يتجلى اليوم في هذه العلاقة الفريدة والمميزة بين عرب العراق وكرده ، وفي قبول الطرفين لبعضه البعض وتأييد تطلعاتهما في غد مشرق ، وبناء العلاقات الجديدة على أساس الفدرالية والحقوق المشروعة ، وما كان ذلك ليتحقق لولا سقوط النظام الدكتاتوري الذي كان عاملا مباشرا في ضرب التآخي وتأليب العربي على الكردي . لقد تصرفت القيادة السياسية الكردية في كردستان العراق بحكمة وعقلانية ، وكانت على الدوام تؤكد على الاتحاد وعلى المصير المشترك ، بين شعوب العراق وأقلياته القومية والاثنية ، والدعوة إلى عراق فدرالي تعددي ديموقراطي ، يعيش في ظله كل مواطنيه بحرية وسلام . ومع ذلك ودرءا لأي خطر مستقبلي ، وحتى يسود الوئام والتلاؤم بين الجميع ، نرى أن من حق الكرد في العراق التأكيد على قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية ، حتى يصار إلى النص في الدستور العتيد ، بهدف حفظ الحقوق ، وحتى لايصار اللغط حول هذه الحقوق مستقبلا ، وكذلك بالنسبة إلى عمليات التعريب التي أجراها النظام السابق المقبور ، ووضع المرحلين الكرد ، ومسألة كركوك ، والمناطق الكردية التي ألحقها نظام صدام حسين بالمناطق العربية .

قدم هذا البحث في الملتقى الثقافي للحوار العربي – الكردي : أربيل 17-20 -2004

سكرتير حزب الاتحاد الشعبي الكردي في سوريا *

 

 

 
 
 
 
Copyright © 2004 Knntv.net