الفيدرالية و مظاهر الوحدة
موسى موسى *
كان لابد للآوراق أن تختلط في العراق بعد سقوط النظام أثر الهجمة العسكرية
الآمركية عليه والذي اعتبره البعض تحريرا للشعب العراقي من الاستبداد والظلم
والطغيان وكبت الحريات كما اعتبره البعض الأخر احتلآلا استنادا الى التدخل
الاجنبي الذي مسك بزمام الامور في العراق ورأى البعض أن العراق اصبح من أكثر
الساحات سخونة في الشرق الآوسط مما استتبع تدخلهم بصورة أو بأخرى ليفرضوا
سياساتهم على الساحة العراقية وباعتبار أن القوات الاميركية لم تفسح المجال
لآحد بالتدخل وفرض سياسته على العراق غيرها وحدها مع توفير هامش من الحرية لبعض
القوى السياسية والوطنية لتسيير دفة الآمور فيه ففرض هذا الواقع على الدول
والقوى المجاورة أن تعمل في الخفاء. لذلك أختلطت الاوراق وتغيرت المفاهيم بل
غيروها لمصالحهم السياسية دون اعطاء أي اعتبار لمصلحة الشعب العراقي لاعادة
بناء دولته المستقلة بدءا من وضع دستور دائم للبلاد وانتهاء بممارسة الشعب
لسلطاته بالوجه الديمقراطي .
و المعركة السياسية الكبرى التي تشنها الدول والقوى المجاورة هي مسألة
الفيدرالية وتثبيتها في الدستور
العراقي المرتقب.
أن فقهاء القانون العام يفرقون بين التجزئة والتقسيم في الدولة واداراتها.
فالتجزئة ليست لها محل في القاموس السياسي المتعلق بادارات الدولة الواحدة أما
التقسيم فشأنه مختلف. فالتقسيم في الدولة الواحدة مسألة غير مستبعدة بل مسألة
مطبقة في كافة الدول التي تنطبق عليها وصف الدولة وذلك بعد توافر أركانها من
الشعب والاقليم والسيادة . فالدولة الواحدة تقسم اقليمها الى ادارات( اكثر من
ادارة واحدة) ومانظام المحافظات الامثال على ذلك فالعراق قبل سقوط النظام بل
منذ نشأته كان مقسما الى محافظات وليس مجزءا والفرق شاسع بين المصطلحين.
والدولة عندما تقسم اقليمها الى ادارات تستند على اسس وخصائص معينة منها
جغرافية واقتصادية واجتماعية وسياسية .....الخ والحدود بين هذه الاسس غير دقيق
فيها متداخلة مع بعضها . فقد يكون من السهل تقسيم الدولة الى ادارات جغرافية
اما تقسيمها الى ادارات او دوائر اقتصادية فهو اكثر صعوبة اما تقسيمها الى
وحدات تستند على اسس اجتماعية وسياسية معا يبدو الأمر اكثر صعوبة أما الاستناد
على تلك الاسس مجتمعة فهو من الامر المعقد جدا وفي كل الاحوال لابد من تقسيم
الدولة الى وحدات إدارية ذات مسميات تختلف من دولة إلى اخرى مثل ( محافظات –
ولايات ... الخ ) وهذا التقسيم يكفل سرعة سير المعاملات و تيسير العبئ على
المواطنين و الأهم من ذلك هو توزيع السلطة و عدم تركيزها . أما الفدرالية فهيا
ليست تجزئة . بل اتحاد كما يمكن اعتبارها ايضا تقسيما كتقسيم الدولة الواحدة
الى ادارات مستندة على أسس محددة .
أما الدستور المرتقب الذي يأمل الاكراد أن يثبتوا فيه مطلبهم في الفيدرالية فقد
أصبح مثار للاهتمام السلبي وللمحاولات الجادة لفشل المشروع الكردي من قبل
الدول المجاورة و بعض القوى السياسية العراقية . ضاربينن بعرض الحائط الآمال و
الحقوق المشروعة محاولين بشتى الوسائل تغيير المفاهيم , القانونية و السياسية
متمشيا مع نفس النهج الذي تسير عليه الادارة الاميركية وا لاسرائيلية بتحويل
مفهوم المقاومة في اكثر بقاع العالم الى ارهاب. فيعتبرون مطلب الفدرالية تقسيما
بل تجزئة و ضعفا للعراق غاضيين الطرف عن المفهوم الحقيقي للفيدرالية ذلك
المفهوم الذي وقف جميع فقهاء القانون على شرحه نظريا ودراسته بالتجربة المطبقة
في بعض الدول.ولتبيان ماهية الفدرالية لابد من القاء الضوء على الدولة وانواعها
. في هذه الحالة يكون من الضروري اسناد مفهوم الدولة الى علم من العلوم لايضاحه
بسهولة . و القانون الدستوري هو ذلك العلم الذي يعني بموضوع الدولة أما البحوث
التي تتفرع عن الدولة فتخرج عن مجال القانون الدستوري حيث تمتد الى مجال بقية
فروع القانون العام و الى مجالات العلوم الاخرى كالعلوم السياسية و الاقتصادية
و الاجتماعية.
فتعريف الدولة كان دائما مثار جدل و خلاف بين الفقهاء لكل فكرته القانونية
لكنهم متفقون على ان قيام الدولة مرهون بأركان ثلاثة تتمثل في الشعب و الاقليم
و السلطة السياسية أو السيادة.
أما أنواع الدول فيما يتعلق بالبحث الدستوري فهو :
الدول السبيطة أو الموحدة : و هي التي تكون سلطات الحكم فيها بيدو واحدة مثل
مصر و فرنسا و سوريا ...الخ
الدول المركبة : و هي التي تتوزع فيها سلطات الحكم حسبا لنوع الاتحاد فيها .
أما انواع الاتحاد في الدول المركبة فهي
أ- الاتحاد الشخصي
ب- الاتحاد الحقيقي
ج- الاتحاد التعاهدي أو الاستقلالي
ء- الاتحاد المركزي ( الفيدرالي )
وما يهمنا في هذا التقسيم هو :
الاتحاد المركزي ( الفيدرالي ) ينشأ هذا النوع باتحاد اكثر من دولة في شكل دولة
واحدة هي دولة الاتحاد حيث تمارس الشؤون الخارجية كلها أما الشؤون الداخلية
فتتوزع بين دولة الاتحاد و الاقسام الفيدرالية . كما وتنشأ الدولة الفيدرالية
بتفكك الدولة البسيطة او الموحدة على اسس معينة قد تكون جغرافية او اثنية و
علينا أن ننتبه لكي لا نقع في الخطأ و نكون دقيقين و لكي لا نسوء الفهم
بالنسبة لتعريف الاتحاد المركزي حيث ( يضم دول متعددة ) هنا يجب أن نفرق بين
مصطلح الدول و المقاطعة و المحافظة ففي سويسرا حيث الدولة الفيدرالية تضم ثلاثة
كونتونات ففي اللغة العربية (تستعمل مصطلح دول ) . كما سبق و أشرنا بان
الفيدرالية هي اتحاد دول وفي حقيقتها ليست دول و ان التجربة السويسرية تشير بان
الاتحاد الفيدرالي السويسري مؤلف من ثلاثة كونتونات . و الكونتون هو عبارة عن
مقاطعة أو ولاية ما يقابلها في البلدان العربية و تركيا : محافظة أو ولاية . و
كذلك في المانيةا حيث اتحادها مكون من ستة عشر (مقاطعة ) أي أن المقاطعة هي
ليست دولة .
وإذا كان خوف المعارضين لمطلب الفيدرالية للاكراد في العراق هو مسألة الدولة .
و الفيدرالية لا تعني مجموعة دول متحدة على الرغم من دلالة اللغة.
أما الدلالة الثانية التي لا تعتبر أن القسم الفيدرالي هو دولة داخل دولة
الاتحاد فهي الدستور حيث لا فيدرالية دون سند دستوري أي انه لا فيدرالية إذا لم
ينص عليه في الدستور . و باعتبار ان الدستور هو وثيقة داخلية فالامر لا يتعدى
حدود الدولة الاتحادية .
أما الدلالة الثالثة التي لا تعتبر ان القسم الفيدرالي هو دولة فهي ان دولة
الاتحاد تقوم بتصريف الشؤون الخارجية أما السلطات الداخلية فتتوزع على الاقسام
الفيدرالية و التوزيع الداخلي للسلطات في الدولة يتبع القانون الدستوري و ليس
القانون الدولي العام .و هو مسألة داخلية في دولة واحدة لذلك وا ستنادا الى
الفكر القانوني يجب على كل المخاوف من ان الفيدرالية تقسيم للعراق الى دويلات
أن تتبدد ولا تتذرع بها في معارضتها للفيدرالية .
أما الإشارات التي يطلقها البعض بان تطبيق الفيدرالية في الاقاليم الكبيرة ممكن
أما في العراق يكون مصدر ضعف لها.
فأنها اشارات لا تستند على أي فكر أو مفهوم بل تستند على نزعات فكرية ضيقة أو
سياسية باهتة بد ليلين أحدهما تجريبي و هو سويسرة الدولة الصغيرة .و الدليل
الآخر هو انه في بعض المجالات يقال بان العالم أصبح قرية كونية صغيرة استنادا
الى سرعة التقينات بمجالاتها فإذا العالم اصبح قرية صغيرة فماذا يشكل العراق
بالنسبة لهذه القرية الصغيرة وهذه الحجة ميتة في مهدها لان فكرة الاقاليم
الكبيرة هي فكرة العصور الماضية أمام تقنية العصر هذه . و الدليل الآخرهو ان
التطور الهائل في الصناعات المختلفة و التقدم المعرفي و سرعة الاتصالات و
المواصلات ونشوا التكتلات المختلفة وتشعب الحياة و الممارسة المعرفية
و الثقافية يحتم بالضرورة تقسيم السلطة و الاداراة و توزيعها بحيث يواكب و
يواصل مسيرة التطور السريع هذه .
و المسألة الأهم من ذلك هي وجود أطياف عراقية اثنية أو دينية ...الخ لها حقوق
و هي تطالب بها ولابد لهم أن يمارسوا ذلك الحق دون أن يؤثر سلبا على الغير . و
فكرة الاتحاد المركزي ( الفيدرالية ) هي حل للتوفيق بين تلك المطالب
(في تصريف شؤونها الداخلية بنفسها ) و بقاء العراق كتلة واحدة و هذا هو الحل
الأمثل الذي يجعل من العراق المستقبلي بلدا أمثل في كل نواحيه . و بقاء الدولة
الفيدرالية كتلة واحدة موحدة تتمثل فيما يلي:
الشعب هو مجموع رعايا الدولة الاتحادية
و الاقليم هو نفسه
و السلطة هي حكومة دولة الاتحاد
أما السلطة التشريعية فا تتكون من مجلسيين أحدهما من مجموع الرعايا بالآنتخاب
والثاني مجلس الولايات.
والسلطة التنفيذية تتكون من رئيس دولة الاتحاد وحكومة الاتحاد.
وبجانب مظاهر الوحدة في الدولة الاتحادية هذه توجد مظاهر الاستقلال في تصريف
شؤونها الداخلية فالقسم الفيدرالي أو الولاية أو دويلة الاتحاد تتمتع بالسلطة
على اقليمها وينص دستور الدول الاتحادية على ذلك كما ينص دستور تلك الدول على
منع فصل أي جزء منه أو ضمه دون موافقة سلطة الولاية وسلطة دولة الاتحاد. كما أن
( لدويلة الاتحاد- الولاية) أن تسن لنفسها دستورا ونظاما سياسيا وقانونيا
ملائما لها مع مراعاة الدستور والنظام القانوني والسياسي لدولة الاتحاد.
أما مظاهر الاشتراك في ساطات الحكم بين دولة الاتحاد والولايات يتمثل في :
تعديل الدستور: سبق أن بينا بانه لا فيدرالية إلا إذا نص عليه في الدستور
وهذا يعني إن الدستور هو اللذي يبين نوع الدولة إذا ما كانت فيدرالية أم لا.
لذلك لابد من اشتراك الولايات أي الآقسام الفيدرالية في : اما تعديل الدستور
سواء أكان في اقتراح التعديل أو اقراره وينص عليه دستور الدول الاتحادية كما ان
دساتير بعض الدول الاتحادية لا تقر بذلك الحق للاقسام الفيدرالية لا في اقتراح
الدستور ولا في تعديله ولا في اقراره . ورغم ذلك تلعب الاقسام الفيدرالية
دورا ايجابيا من خلال مجلس الولايات.
مجلس الولايات : من أهم مظاهر الاشتراك في الحكم بين الأقسام الفيدرالية هي
مجلس الولايات حيث لا فرق بين الآقسام الفيدرالية في التمثيل حيث يكونوا
متساويين في التمثيل بغض النظر اذا ما كان أحد الآقسام يتمتع بمساحة كبيرة أو
بعدد كبير من السكان . ففي الدولة الفيدرالية يكون هناك مجلسين مجلس الولايات و
المجلس الشعبي ويتم سن القوانين بموافقة المجلسيين وفي حال معارضة أحد
المجلسيين يعتبر مشروع القانون كانه لم يكن وبعض الدول تعطي أحد المجلسيين
الآرجحية عند الاختلاف كما ان بعض الدول تمنح سلطات أوسع لآحد المجلسيين ففي
الولايات المتحدة الاميركية يخول الدستور الاميركي للمجلس الشيوخ (مجلس
الولايات) ساطات أوسع من سلطات مجلس النواب (المجلس الشعبي ) .
توزيع السلطات: تتوزع السلطات في الدولة الاتحادية الفيدرالية بين دولة
الاتحاد والاقسام الفيدرالية بأساليب مختلفة منها اما حصر اختصاصات دولة
الاتحاد والاقسام الفيدرالية أو حصر اختصاصات الاقسام الفيدرالية وهذا يعني ان
ما يخرج عن هذا الحصر يكون من اخنصاص دولة الاتحاد وهذا يعني ان كل ما يخرج عن
هذا الحصر يكون من اختصاص الاقسام الفيدرالية وهذا الاسلوب اخذ به معظم الدول
الاتحادية.
وأيا كان الاسلوب الذي تتوزع به سلطات الحكم في الدولة الاتحادية فأنه يبقى
مركز دولة الاتحاد مركزا أقوى من مركز الاقسام الفيدرالية.
كاتب كردي - *
دراسات عليا في القانون العام