ليس بالاضطهاد يخاطب الأكراد
بقلم : محمد الحسناوي
لا يكاد ينقضي شهر حتى نسمع بوفاة مواطن سوري كردي تحت التعذيب في سجون الرأي أو في أداء الخدمة الإلزامية في الجيش ، حتى تعودنا على سماع هذه الأنباء مثل تعودنا على سماع أنباء الضحايا اليومية البريئة في الأرض المحتلة فلسطين أو في العراق ، ومع ذلك في العراق وفي فلسطين يوجد حرب عدوانية بل حروب وأعداء أجانب ، ولكن ماذا في سورية ؟
في شهر نيسان من عام 1967م وفي أثناء اعتقالنا في سجن المخابرات العسكرية في مدينة حلب بسبب فتنة إبراهيم خلاص ضد الأديان السماوية ، والتطاول على اسم الله تعالى ، والإضراب العام الذي قمع بقوة الجيش ، وكسر أقفال المحلات العامة ، ومصادرة المغلق منها .. صادفنا بعض المواطنين الأكراد المعتقلين قبلنا بسنوات ، عن طريق تكليف أحدهم بالحلاقة للسجناء الجدد مثلنا . همس الحلاق : أنا فلان الكردي ، معتقل منذ كذا سنوات . من أنت ؟ ولماذا اعتقلتم أنتم ؟ مرحباً بكم ؟ في البداية لم نستجب خوفاً من أن يكون الحلاق مخبراً مزدوجاً ، لكن علمنا فيما بعد بقصة اعتقالهم ، والسجين إلى السجين نسيب . وعلمنا أن نظام الخوف العام يوقع بين المواطنين ، ويجعلهم يتخندقون حذراً أو شكاً أو تربصاً .
ثم تعمقت معرفتي بالشؤون الكردية حين عملي مدرساً لمادة اللغة العربية في ثانوية عفرين شمال حلب لمدة سنتين قبل يوم الثامن من آذار 1963 وبعده ، واستدعيت لفرع المخابرات أكثر من مرة بسبب معاملتي العادلة لطلابي أي ضد التمييز بين العرب والأكراد . ومع الأيام علمت أن هناك الحزام العربي في الجزيرة السورية حول مليوني مواطن كردي ، ومصادرة لأراضي الأكراد ، وتسليمها للعرب المهجرين من منطقة الغمر في سد الفرات ، وأن هناك حرماناً لربع مليون كردي من الجنسية السورية منذ الستينات ، ومنعاً من التكلم باللغة الكردية أو التمتع بحقوق المواطنة السورية كالتعليم والتنقل والتعيين في دوائر الدولة ، وحتى اختيار أسماء المواليد ، وأخيراً تم تغيير أسماء عدد من القرى والبلدات التي يُشم منها رائحة غير عربية في الجزيرة السورية والشريط الحدودي شمالاً .
كما بلغني أن رئيس الأركان السوري الأسبق أحمد سويداني فوجيء بعد هزيمة حزيران في الجبهة السورية عام 1967م بمجند سوري كردي يسأله : أأنا سوري أم غير سوري ؟ فيستفسر منه غاضباً ، فيجيب المجند : أنا وأمي وأبي وإخوتي محرومون من الجنسية السورية ، وقد قاتلت معكم اليهود ، فلماذا تحرموننا من حقنا في الجنسية ؟ ولا حاجة لنقل الجواب المعروف !!
ومثل هذه المعلومات عن القطر السوري وحزبه ( القومي ) الحاكم بتنا نستقبل أخبار الأكراد في العراق وتركية ونحلل ونحوقل ، ونسأل الله تعالى الفرج .
إن الفتنة بدأت من سياسة التتريك ويهود الدونمة والقومية الطورانية ، واقتباس المفهوم القومي على الطراز الأوروبي ، وإحلاله محل الرابطة الإسلامية ، ثم الغلو في التعصب للقوم لا للمباديء والأفكار والمعتقدات التي تصنع الأمم والحضارات ، وإن القول بالقومية العربية ، يعني القول بالقومية الكردية ، والقول بأية قومية يعني شعباً وأرضاً ودولة مستقلة ، ويعني انفصالاً جديداً في جسد الأمة من معاهدة جالديران إلى معاهدة سايكس بيكو وهلم جرّا .
لقد فرض المنطق القومي وفي صوره العنصرية المتخلفة ، واحتاج الأمر إلى سياسات جديدة مبتكرة مضنية ، للتعاون أو التعاضد أو الجيرة بين أقوام لا بين إخوة ، وبوسعك أن تقرأ هذه المعاناة الصعبة في كتاب المقدم منذر الموصلي المتشبع بالفكر القومي البعثي ، والتحليل الاقتصادي الماركسي تحت عنوان ( عرب وأكراد ) ، يحاول فيه المستحيل لتحنين قلب الأكراد على العرب وبالعكس . ويعترف بأنه ضابط أمن سابق عمل في الجزيرة السورية وفي منطقة عفرين ، التي يكثر فيها الإخوة الأكراد !! يقول : ( تبدأ قصتي مع الأكراد من خلال مواجهتنا للنشاط الكردي في شمال شرق سورية العربية بمرحلة سابقة . وهو نشاط بدا فيما بعد أنه كان عابراً محدوداً لم يترك وراءه أي أثر ، وكان نتيجة << هلوسات >> لا تملك رؤى صحيحة ولا إي فهم لطبيعة الأوضاع الديموغرافية وحقيقة تشكلها في الشمال السوري . وكان من جراء ذلك أن ردود الفعل كانت كبيرة نجمت عنها إجرءات قمعية كان لا بد منها ..) ( ص9و10 ) .
ومن المفارقات أن أساطين التعصب القومي الذين أوقدوا نار الخلافات ، يزعمون أنهم يعملون على إطفائها ، فيقول ضابط الأمن القومي الموصلي في مقدمته : ( لذلك يأتي هذا الكتاب بمثابة مساهمة جادة في عملية إخماد ذلك الحريق) . وكيف ينطفيء الحريق وفي كل شهر نسمع بمصرع مواطن كردي أو أكثر تحت التعذيب أو في الخدمة الإلزامية ؟ وإذا كانت الوعود تطلق بالجملة ، ولا يتحقق منها هباءة أو ذرة واحدة ؟ وكما قيل : ( ليست المسألة رمانة ، ولكن القلوب مليانة) . ملأى بماذا يا ترى ؟
ما معنى أن تتحول مباراة لكرة القدم في مدينة القامشلي في شهر آذار الماضي إلى مواجهة دامية ، يمتد لهيبها إلى عدد من المحافظات سورية ، من الجزيرة إلى حلب وإلى العاصمة دمشق ، فتزهق خمس وأربعون روحاً بشرية بريئة ، بعضها أطفال ، ومئات المعتقلين مازال بعضهم يعرض على المحكمة العسكرية ، ورئيس الجمهورية يعترف صراحة بأن لا عامل خارجياً في المشكلة تلك ؟ بل يزور المنطقة المتضررة ويعد بالنظر في المظالم ، لاسيما إعادة الجنسية للمحرومين منها ، وفي تصريح آخر يعترف بالقومية الكردية الشقيقة ، ولكن ذلك كله ظل حتى الآن ، كما قيل : حبراً على ورق أو ذهب مع الريح !! والسؤال : من أوقد النار أصلاً ، ومن يستمر في صب الزيت عليها بسياساته العنصرية واستبداده ، ولماذا يزداد الاشتعال منذ خمسين عاماً حتى يومنا هذا؟
المواطن الكردي بشر له روح وكرامة وحقوق ككل المواطنين ، بل إن المناطق الحدودية محرومة من البنى التحتية ، مضافاً إليها سياسات هادفة للتهميش والتجهيل والتغييب وحتى الإبادة صدق أو لا تصدق ، ثم يقال لك : هناك مؤامرة خارجية ! إن الذين يشتبه بتآمرهم هم الذين يقتلون المواطنين الأبرياء في السجون تحت التعذيب أو في أدائهم الخدمة الإلزامية . هم الذين يدقون أسافين العداوة والبغضاء والشحناء بلا أدنى مسوّغ ، إنهم يبحثون عن الأصدقاء والحلفاء الأوربيين والهنود والأمريكان ، ويستعدون مواطنيهم على الشعب والأمة والوطن ! نفذ ما عليك من واجبات وأعط الناس حقوقهم بسواسية وقسطاس ثم استفسر عن العداوة أو عن المحبة . أما أن تصفعني ليل نهار وتسب أبائي وأجدادي ، ثم تزعم أنك تحبني، فهذا غير صحيح . فإن كنت تفعل ذلك عامداً متعمداً ، وبسياسات ممنهجة ، ولأزمان متطاولة ، فهذا هو التآمر بعينه . والساكت عن الحق شيطان أخرس .
المجند الكردي السوري محمد شيخ محمد اغتيل بإطلاق عيارات نارية عليه بينما كان يؤدي خدمته الإلزامية في وحدته العسكرية بمنطقة القطيفة ، كما أفادت اللجنة السورية لحقوق الإنسان ( أخبار الشرق 29/10/2004م) ، كما سبق أن اغتيل رقيب كردي آخر في الجيش السوري قبل شهور ( مركز الشرق العربي 16/6/2004 ) ولم يتخذ تحقيق ولا ما يحزنون .
أما المواطن أحمد حسين حسين من سكان قرية الصالحية في محافظة الحسكة ، وهو أب لأربعة أطفال ، اعتقل بتاريخ 13/7/2004م ، فقد توفي تحت التعذيب عند المخابرات العسكرية لتعاطفه مع القضية الكردية ، ومع تنظيم عبد الله أوجلان الذي كان حليفاً للسلطة سابقاً . (مركز الشرق العربي5/8/2004م .) وفي الشهر نفسه توفي معتقل كردي آخر تحت التعذيب . على حين صدر حكم من محكمة أمن الدولة على المواطن الكردي محمد علي عمر بالسجن سنتين ونصف السنة ، بسبب مشاركته باعتصام سلمي للمطالبة بالجنسية السورية ، وهناك أكثر من 180 من الذين اعتقلوا في أحداث شهر آذار ما زالوا رهن الاعتقال ، وإن 17 منهم يعرضون على محكمة أمن الدولة ، وإن 35 مراهقاً تعرضوا للتعذيب ، بعضهم بالصدمات الكهربائية أو بنزع أظافر أصابع القدم . ( القدس العربي 27/8/و 3/11/2004 ) .
إن شعباً أعطى البطل صلاح الدين الأيوبي الذي حرر فلسطين والقدس يوماً ما ، وأنجب الزعماء أمثال أبي الفداء الأديب العالم ملك حماة الأيوبي وإبراهيم هنانو ويوسف العظمة ومحمد كرد علي .. إن هذا الشعب لا يستحق هذا الظلم ، ولا يجازى على وطنيته وإخلاصه بالعقوق والاضطهاد ، وإذا زعم زاعم أو نعق غراب بباطل فلا أقل من اللجوء إلى القضاء العادل والدستور والقانون ، وإلا فنحن نخرب أوطاننا بأيدينا ، وننفذ فينا مآرب أعدائنا . يخطيء من يعامل هذا الشعب معاملة أقلية ، ويخطيء أيضاً حين لا يمتعهم بحق المواطنة كالأقليات الطارئة والمواطنين الأرمن مثلاً ، وهم ليسوا لاجئين ولا مواطنين من الدرجة الثانية . فكيف إذا كان يعمل على استئصالهم ؟! وليس صحيحاً أن البلوى العامة تساوي بين المواطن الكردي والعربي في الاضطهاد ، لأن الفساد لا يقاس عليه ، وظلم قوم لا تلغيه عن قوم آخرين . ولابد من العدل أساس الملك . فلترتفع الأصوات الحرة بالاستنكار ، ولتتشابك الأيدي والأذرع والأدمغة لإزالة هذا العار .
* كاتب سوري عضو رابطة أدباء الشام