Kurdi English Arabi
Home Contact add to favorites
 
 
 
 
16-10-2004

الخروج على الزمن

مشعل التمو

بصراحة ووضوح أعلن بأنني انتميت إلى حزب الكلكة , وعذرا من أم وحيد , وعذرا اكبر من الصديق جهاد نصرة , فهو سيعذرني على ما اعتقد أن علم سبب انضمامي إلى الحزب المؤبد والتاريخي الوجود , بحكم انه الملاذ الأخير لأمثالنا من الذين قُدر لهم العيش في هذه الأوطان التي تحكمها ثنائية , الجهل والجند , وما نتج عنهما من ازدراء للعقل والإنسان .

لمحت عيني ميثاق للجبهة " الوطنية التقدمية " العتيدة , قيل انه تعديل لميثاقها القديم , تملكني على أثره طموح غير مرغوب به وغير مسموح به , أن أقرا التعديل , وما أن بدأت القراءة حتى استوقفني شعور غريب , افقدني القدرة على الإحساس بالزمن , وبالحياة , وبالعقل , ناهيك عن المكان ودورات تعاقب التناسي والنسيان .

توقفت عن القراءة , لان بذرة الإنسان في تكويني تحركت وتململت , وحتى أستطيع أن أكمل القراءة وازداد ثقافة وفهلوية بفهم التعديل الجديد لميثاق الجبهة العتيدة , قررت أن أضع حدا لعقلي وانضم إلى حزب الكلكة , انضماما فجائيا وسريعا وعاصفا , بدون تعديل أو تذويب أو تدويل أو تحوير .

هذا هو سبب انضمامي إلى جوقة الكلكة , واعتقد بان العزيز جهاد سيرحب بي في حزبه المفتوح الأبواب , ولا اطناب أو ألقاب في جنباته , فالكل سواسية في تحمل ويلاته .

ساعدني الحزب المذكور أعلاه على تحمل مشقات القراءة , وساعدني أكثر على الخروج من الزمن المعاش , ويرجع له الفضل في أنني أبعدت ميزة التفكير العقلانية , حتى أستطيع كتابة هذه المقالة المحفوفة بالمخاطر , إذ لولاه لما تجرأت بالكتابة عن ميثاق الجبهة – وفقها الله وسدد خطاها – خاصة بعد العديد من تجارب جز اللسان الأخيرة .

تعالوا أيها الأعزاء من أمثالي , الذين كنا نطمح في صدور قانون للأحزاب ينظم الحياة السياسية , يكون نواة لإصلاح سياسي يخرج مجتمعنا من حالة الانسداد التي وصل إليها , نتمعن في بعض ما جاء في الميثاق المعدل , الذي يحمل إصداره دلالة أولية هي نفي مجمل الإشاعات التي تنبأت بقرب إصدار قانون للأحزاب , على أساس أن الميثاق ينص صراحة ووضوح بأنه الإطار الوحيد للنشاط السياسي في سوريا , وهي تمثل الشعب ومطامحه السياسية والاجتماعية , وبالتالي هي المرجعية الوطنية لنضاله , ودلالة وجود مرجعية ينفي الحاجة إلى إصدار قانون للأحزاب يكون مرجعية وطنية للنشاط السياسي , وفي رؤية بدائية " وأقول بدائية حتى اضمن سلامتي الشخصية " سأتوقف عند بعض المواد المسموح مناقشتها .

في المادة الثالثة من المشروع الأساسي , يتم إيراد الأحزاب والقوى السياسية المنضوية تحت لواء الجبهة , برد فيها اسم الاتحاد العام لنقابات العمال , والاتحاد العام للفلاحين ؟

حقيقة لا اعلم أن كانت النقابتان موجودتان منذ الإعلان عن قيام الجبهة , أم ضمتا حديثا , وفي الحالتين , وجود نقابات عمالية وفلاحية في الجبهة , أمر بدا غريب بعض الشيء , لأنه وبحكم معرفتي المتواضعة , أن النقابات في أي مجتمع , هي محددات ذات طابع اجتماعي وخدمي , غير سياسية , وحتى أن كانت تابعة لحزب معين , أو تم تسييسها في مرحلة زمنية ما , لكنها ليست أحزاب أو قوى سياسية ؟

إذا كان ضم الإتحادين العمالي والفلاحي , بحكم النهج " الاشتراكي " الذي تتبناه الجبهة وأكدت في ميثاقها المعدل " الجديد " التزامها به , فمن الأولى ضم نقابة الصحفيين واتحاد الكتاب ونقابات الأطباء والمعلمين والمقاولين وغيرهم , حتى نحصل على اكبر تعددية سياسية , أما إذا كان الضم لأسباب أخرى , فاعتقد بان وجود حزب البعث على راس الجبهة وقائدا لها , وبحصة النصف , زائد واحد , ينفي أي مسوغ لضم اتحادات عمالية وفلاحية تابعة له ؟ ولا اخفي عليكم بأنني لم استطع فهم مسالة وجود اتحادات نقابية في جبهة سياسية , ولا ما هو دورها السياسي المتمايز عن دور الحزب القائد والمسيطر عليها وعلى الجبهة أيضا , على أمل أن يتنطح احد من غير حزب الكلكة ويشرح لنا , نحن المتلقين والقاصرين في المجتمع السوري عن سر هذه الأحجية .

في المادة الخامسة من المبدأ الأساسي ( تمارس أطراف الجبهة نشاطها السياسي العام في إطار الجبهة وتتوجه إلى الجماهير بتوجيهات موحدة ) , ودلالة المادة هو نفي أي نشاط أو توجه جماهيري لأي قوى منضوية في الجبهة , لا يكون من داخلها , بمعنى غير مسموح به أي برنامج سياسي مختلف أو حتى متباين مع برنامج الجبهة , وهو ما تم تأكيده في أكثر من مكان وخاصة في القول التالي (وتتجسد قيادة حزب البعث العربي الاشتراكي للجبهة بتمثيله بالأكثرية في مؤسساتها جميعا وبأن يكون منهاج الحزب ومقررات مؤتمراته موجها أساسيا لها في رسم سياستها العامة، وتنفيذ خططها) , أي إذا كان برنامج حزب البعث ومقررات مؤتمراته هي الموجه للجبهة , فما الداعي لوجود برامج الأحزاب الأخرى , وبالتالي ما الداعي لوجودها أصلا ؟ ألا الهم تكميلا لديكور سياسي محدد , لا وجود مجتمعي له , وهذا أمر لا يحتاج إلى برهان .

إذا كان التعديل طال بعض المواد التي تجاوزها الزمن , كحالة الرؤية إلى الاتحاد السوفيتي المنهار بجبهات كتلته الشرقية , الشكلية التي ابتدعها والتي استوردتا نموذجنا الذي لا زلنا نتغنى به ؟ أو مسالة المفاوضات مع إسرائيل والصلح معها , كونها مستجدات ومعطيات راهنية , بات لها حضورها السياسي في أجندة التداول السياسي الدولي , ومن الضرورة التعاطي معها , من منطلق المصلحة الوطنية , ويبدوا أن التعديل تم بناء على ما يراه أصحاب الجبهة من رؤى , وما يتعاطونه من وقائع , وهي وفق ما اعتقد غير معنية بما أفرزته وتفرزه حقائق الواقع الراهن , الداخلية على وجه الخصوص , وهي غير مبالية على ما يبدوا بمقتضيات الفعل السياسي الموازي والمواجه لتداعيات جيوسياسية إقليمية ودولية .

والغريب أن يعاد إنتاج هذه الصيغة بعد أن فقدت كل مبررات وجودها ودورها المجتمعي , سواء السياسي أو الثقافي أو حتى الاجتماعي , فلا اعتقد بأنه يمثل رؤية صائبة لمواجهة متطلبات المرحلة الراهنة الشديدة التعقيد والمختلفة من حيث الاستراتيجية أو اللعبة السياسية الدولية , سواء كانت استراتيجية التعامل والتعاطي مع تداعيات راهنية أوجدتها معطيات إقليمية ودولية جذرية ومتغيرة المصالح والأهداف , ومنها الوجود الأمريكي في العراق , والقرار 1559 ومستحقاته , ومسالة الأرض السورية المحتلة والتطبيع مع إسرائيل , والدور الأوربي المتوقع تلمسه وخصوصا المصلحة الفرنسية التي لا تريد تكرار ما خسرته في العراق , والانسداد السياسي والاقتصادي والاجتماعي الداخلي , أو استراتيجية المراهنة على زمن يعيد ترتيب ما نريده , وهي مراهنة تجعلنا خارج الزمن المعاش بوقائعه وحركية مستجداته .

ما يحيط بنا , وما نريده لأنفسنا , مختلف , بل حتى ومتناقض في اغلب الأحيان , والتعاطي العقلاني مع كل هذه الأمور التي هي محددات تمتلك راهنيتها , لا يتم بإعادة إنتاج ذات الصيرورة الأحادية , وإنما من المفروض أن تدفع بنا جميعا إلى تغيير في طريقة التفكير والرؤية السياسية , لاستشفاف القادم , وتحضير مقومات المواجهة , وأساسياتها , عبر امتلاك استراتيجية الحرية , حرية المواطن التي هي حرية للوطن وقوة ومنعة لوجوده .

أما استراتيجية الاختباء والانحسار الخارجي بدون امتلاك استراتيجية داخلية تعيد ترتيب البيت الداخلي وتخلق مقومات مواجهة الخارج , فأمر اعتقد بان تعديل ميثاق الجبهة غير قادر على الإجابة عنه أو حتى تحمل تبعاته .

القامشلي 14/10/2004

* كاتب كوردي ، ناشط في لجان إحياء المجتمع المدني في سوريا

 

 

 

 
 
 
 
Copyright © 2004 Knntv.net