الحب في الشرق الخائف كردستان نموذجا
قبل بضعة أشهر شاهدت فيلما وثائقيا قام بها مجموعة من العلماء الفرنسين في القطب الجنوبي ومحيطه المتجمد حيث رصدوا قافلة من طائر البطريق لمدة سنة كاملة وهذا الفيلم الحائز على جائزتي أوسكار لقيمتها العلمية والفنية والذي يحمل اسم رحلة البطريق يبدأ الفيلم حين تتجمع قافلة من طائر البطريق تعد بالمئات على شاطئ المحيط المتجمد الشمالي وحين تلتقي الشمس والقمر ويكون القمر في تمام اكماله وفي اقرب نقطة الى الارض تبدأالقافلة بالمسير كما تفعل كل عام تتجه صوب جنتها الجليدية الخفيةفي اعما سهول القطب الجنوبي وجباله الثلجية والبعيدة عن المحيط مسافة ستة اسابيع من السير الشاق والمضني تسير دون توقف ومن يتخلف عن وتيرة المسير يتيه في مجاهل الثلج ويصبح فريسة لوحوش القطب وعندما تصل القافلة الى ذلك المكان الابدي الذي توارثوه جيلا بعد جيل ذلك السهل الواسع المحيط بالجبال الثلجية يبدأ كل ذكر من طائر البطريق بالبحث عن الانثى التي تناسبه ويطول البحث لأيام ولعل من أجمل ما شاهدته في حياتي هو ذلك اللقاء الحيمي بين طائري البطريق وتلك الطقوس المليئة بعشق نقي وايمائات وايحاءات لا تحتاج للشرح أو ترجمة.ومن ثم يبدئون حفلة زواج صاخبة وجميلة. ساعود الى طائرنا المتهم بالطيران رغم انه ما طار يوما. وددت بهذه المقدمة الدخول الى موضوع المقال ألا وهو الحب والذي هو في جوهره صندوق مزخرف جميل لغريزة البقاء وحماية الأجناس والكائنات من الفناء. في الآونة الأخيرة تسربت الى صفحات الأنتريت حادثة رهيبة التقطت بكاميرا هاتف جوال تصور الفتاة الكردية اليزيدية دعاء والتي قتلها حشد من أشباه البشر ضربا بالحجارة وفي النهاية يحطمون جمجمتها الصغيرة بصخرة وهي ملقاة على الارض شبه عارية وكان ذنبها الوحيد انها احبت وهربت مع حبيبها بحثا عن الحياة والبقاء , اما تفاصيل الحادثة لتي تلت الموضوع فقد سمعتها من اناس من المدينة التي يعيش فيها الفتاة التي تنحدر من عائلة من زعماء احدى العشائر المدعومة بالمال والسلطة ويقول المتحدث الذي سرد لي الحادثة بأن اخوة وابناء عمومة الفتاة قد افنوا عائلة الشاب عن بكرة ابيها أما الشاب فقد رشوا عليه بنزينا وحرقوه حيا في فناء دارهم بينما الفتاة الصغيرة التي لا يتجاوز عمرها العشرين فقد سلخوا الجلد بالسكاكين عن لحمها ومن ثم أحرقوها هي الاخرى وهذه البشاعة التي لا يمكن ان يتصورها عقل ومنطق انسان هي اشياء ووقائع حقيقية اسردها وليست مشاهد من فيلم رعب من صنع هوليود شاهدته في التلفاز وهي حوادث تحدث يوميا في الشرق بعمومه واصبحت ظاهرة خطيرة ومرعبة بين الاكراد على وجه الخصوص .
منذ الازل منذ ان خلق الله البشر والكائنات وقبل ان يتعلم الانسان الكلام عرف الحب هذا الشعور الرباني الجميل الذي يظهر بأشكال واطوار مختلفة فهو حب وحنان الام لأولادها ومرة هو طاعة ومحبة الابناء للوالدين ومرة هو حب الارض والتراب حب الحرية حب الموسيقا والربيع والفن وأحيانا أيضا قد يأخذ الحب اشكالا سلبية ومرضية خارجةعن اعراف الانسان كحب ايذاء الاخرين وحب العنف لغرض العنف لا غير حب المال لغرض المال حب الاستغلال لعين الاستغلال وهذه اشكال من الحب والتي تأخذ صفات ومسميات أخرى وهناك الامثلة التي لا تعد ولا تحصى ومن ثم يأتي الحب بين الذكر والانثى وهذا الوجه من الحب الذي له مميزاته وسماته الخاصة ولعله الاقدم في تاريخ البشرية والديانات اذا اتفقنا على ان آدم وحواء هم في البداية عاشقين قبل ان يكونا شريكين في تكوين البشرية وكذلك نشيد الانشاد في التوراة اذا ما تابع القارئ مقاطعه فما هو في نظري الا قصيدة عشق جميلة ولا تكاد امة من الامم تخلوا من ملاحم وآساطير الحب والعشق وقصصها ابتدائا من آدم ومرورا بروميو و جوليت وانتهاءا بدعاء ولعل الشرق هو العالم الأكثر تخمة بهذه القصص المليئة بالعذاب والحسرة واللوعة والموت الدراماتيكي لشخوصهاوأبطالها , اما الكرد فهم الاكثر تمييزا بخصوصيتهم بهذا الحقل فكل اساطير وملاحم الارض تدور معظمها حول حول الملوك والجان والآلهة والاسفار والحروب بينما معظم ملاحم الكرد تدور في فلك العشق والحب ك,ممو و زين, ,فرهاد و شيرين ,و,سيامند و خجي, هذه الشخصيات خلدت العشق وخلدهم العشق في وجدان وذاكرة وأدب الانسان الكردي. ما هم الا نتاج و عصارة واقع اجتماعي في النسيج الكردي ما هي الا احاسيس وعواطف مشتركة لتكوينة بشرية ظهرة في ثوب قصة عشق . والعشق وهروب العشاق والتمردعلى الاهل ما هو الا مكون قديم في واقع الادب الكري المتناقل شفاهاوهو شئ اصيل من تاريخ الكرد الاجتماعي وما كان يوما من الايام عنيفا وشاذا دمويا وهمجيا كا اليوم. ما يمر يوما الا ونقرأ على صفحات جريدة او باب من ابواب الانترنيت الا وحادثة مريعة احيانا فتاة تحرق نفسها بعد ان تصب على نفسها البنزين أو شاب قد فرغ مخزن سلاح في جسده بعد ان يترك خلفه رسالة تحتوي عذاباته ومعاناته أو أخوة مزقوا جسد اختهم فقط لانهم شاهدوا على جهازها الخليوي نصا اوصورة أو رسالة بحب ذريعة غسل العار وذريعة الشرف .
في حين ان نسبة اكثر من ثمانين بالمائة من الفتيات المقتولات هن فتايات عذراوات لم يمسهن كائن. ما هو العار وما هو الشرف هل هو ذلك الغشاء الرقيق تنزع عن المرأة شرفها او يضعها في مرتبة الشرف ونحن الكرد كنا وما زلنا منتهكين في أرضنا وعرضنا مقهورين ذليلين في منازلنا مجردين من ابسط حقوق البشر أي شرف نتحدث عنه واربعين مليونا من البشر لا يجمعم حدود ولا علم في حين ان دول كالفاتيكان ولوكسمبورغ وجزر القمر والبحرين ودول في مجاهل أفريقيا لا يتجاوز تعداد مواطنيها الآلاف هي بمثابة دول دول وسيادة اي شرف وانت تركي الجبال في كردستان تركيا لغتك عار عليك أو مواطن غير مرغوب فيه أو كردي أجنبي قادم من خلف الحدود زواجك غير معترف به
اطفالك ليسوا بأولادك بيتك ليس ببيتك وانت نفسك لا تملك نفسك لانه لا توجد ورقة تثبت ذاتك ووجودك في كرستان سورية أي شرف وقد أصنعت الحدود بين كونك كرديا أو ايرانيا مسلما في كردستان ايران اي شرف وتوقيع دولة كبرى أو جيش جرار قد يعيدك عشرات السنوات للوراء في كردستان العراق .أعود قليلا الى طائر البطريق فبعد طقوس عشق جميلة تضع الأنثى بيضة واحدة بعد اسابيع وخلال أقل من دقيقة واحدة وبمعانات كبيرة يجب ان تضع الأنثى البيضة على اقدام الذكر ويغطيه بفروة بطنه حتى لا تتجمد البيضة في درجة حرارة 40 تحت الصفر شهور من الوقت بلا طعام وبعد ان تضع الأنثى البيضة بأمان على أقدام الذكر تنطلق الى المحيط لتأكل وتجلب الطعام لصغيرها القادم ,مرة اخرى الرحلة الى المحيط المسافة ذهابا ومجيئا, تقطع المسافة بلا تباطئ شهران آخران يمران والذكور تحمي البيضة تحت العواصف الثلجية العاتية وشهور من الجوع وحين تعود الام مليئة بالطعام يكون الصغير قد خرج من البيضةوبعد وجبة السمك يترك الذكر الأم والصغير ليكبر قليلا وينطلق هو بدوره الى المحيط بعد صوم دام شهورا عديدة وفي النهاية بعد ان يقوى الفرخ على المشي والصمود في وجه المصاعب يلتقي الثلاثة للمرة الاخيرة عند لمحيط ثم يفترق الجميع كلا في طريقه والسؤال الذي كان طوال الوقت يداهم فكري, ما الحكمة من ان يتحمل هذا الطائر هذه المشقة وأية مشيئة تدفعه لذلك,هل جعل الله هذا الطائر الصغير آية للبشر ليتعلموا الحب هل هناك شئ أجمل من الحب الشريف الرقيق الطاهر حتى ان العاشق العفيف الذي يموت عشقا كان في الاسلام شهيدا فالحديث النبوي الشريف يقول ،من عشق فعف فكتم فصبر فمات , مات شهيدا، .ولهذا اقول أن هذه الجرائم التي تحدث يوميا ليست الا نتاج عصبية لا معنى لها وافرازات مجتمعا جاهلي يفتقد الى الصدق والعلم والرقي الفكري والاجتاعي ويفتقد الى عقلانية ومنطق البشر وهذه هي مسؤلية الدولة في البدء على العمل في تهيئة الاسرة والفرد على معرفة نفسه وعواطفه وسلوكه وتدريب شخصيته نحو الأمثل والأرقى سلوكيا واخلاقيا بعيدا عن الخرافة ومنطق الذئاب بعيدا عن الهرطقة والتقليد الاعمى لعرف تقليدي ويرتقوا قليلاالى مستوى طائر البطريق .
Hivin Ahmed 3-11-2004