حول المسّ والممسوس: لبنان نموذجاً
جهاد نصره
مأثرة فاروق الشرع الأخيرة التي أدلى بها بكل ثقة واطمئنان في مؤتمر صحفي وليس في الكواليس هي بالمختصر غير المفيد أن سورية يعني [ هو + الرفاق=سورية ] يحترمون الدستور اللبناني احتراماً لا يمكن وصفه - لذلك تأجّل الوصف إلى ما بعد التعديل- وهم، أي قادة سورية، يموتون بالجار الشقيق لبنان حباً وهياماً ولكن، هذا لا يعني أن تنسحب خيانة المحاولة السورية الداخلية بتاعة المثقفين، والمعارضين، والتي لم تتعدّ الكلام الصريح عن ضرورة تعديل الدستور السوري وبخاصة المادة الثامنة منه، أن تنسحب إلى الشقيق ( من الأم ) لبنان ..! فالدستور اللبناني قابل للمسّ من قبل أي ممسوس أما الدستور السوري فالخائن غير الوطني وحده الذي يقول بالمسّ به..! وهذه الحزورة السورية ليست جديدة فلطالما كان للبعث السوري حزازير، ومواويل عرفتها الحقبة الفردوسية من تاريخ سورية البرنجة يعني عال العال.. اليوم وقد قلنا في مقالة الأمس إن تعديل الدستور اللبناني واجب أخوي لا غنى عنه في هذه الأوقات العصيبة ابنة خالتها، وهي ظلت عصيبة منذ أن زار الاخوة السوريون لبنان فطابت لهم القعدة ولماذا الحرج و نحن أشقاء بالرضاعة كما هو معروف لذلك حدث أن قرر مجلس الحريري تنفيذ القرار السوري لطلب التمديد للرفيق لحود و هذا يعني أن البعث بُعث مرة واحدة على يد الأرسوزي ولا يمكن بعثه مرة أخرى..! ومن الداخل اللبناني هذه المرة ستأتي الفكرة وتطير السكرة بعد أن حُسم الأمر وأكدَّ البعثيون أنهم فصيلة واحدة لا يختلف فيها اليمني عن العراقي عن اللبناني عن السوري وأن مصير صدام فهموه بالمقلوب وما أخذوه بالقوة لا يتخلون عنه إلا بالقوة ومن جراء هذا الوضع ستكون هناك أفدح المصائر، والخسائر السياسية لا سمح الله..!
ببساطة شديدة يمكن ترجمة المسألة بأنها رغبة صارمة بمنع عودة اللعبة الديموقراطية إلى الساحة اللبنانية فتضيع بذلك كل الجهود التي بذلت خلال عقدين ونيِّف و الأمر جد خطير فإسرائيل على الحدود الجنوبية، ولبنان على الحدود الغربية، والعراق على الحدود الشرقية، وتركيا على الحدود الشمالية، وفي كلٍ منها منظومة الانتخابات الحقيقية وحدها التي تشكل معياراً للشرعية وهذا يعني استحالة سدّ الثقوب بوجه تسرب العدوى الديموقراطية ومن المصلحة بمكان منع أية انتخابات في لبنان تعيده إلى ما قبل النعمة السورية كي تبقى على الأقل جهة واحدة مضمونة لا يتسرب منها الوباء البغيض..! وهكذا تظل عملية اللعب بالدساتير لعبة البعث المفضلة إلى أن يأتي الفرج كيفما جاء ومن أية جهة أشرق..!
ولأن الدستور اللبناني قابل للمس فقد عُدِّل حين أرادت السلطة السورية التمديد للرئيس هراوي..ثم عُدِّل من جديد حين أرادت السلطة السورية تنصيب الجنرال لحود رئيساً حيث لم يكن متاحاً لرجل عسكري محترف الترشح لمنصب الرئاسة..! وهاهو يُعدَّل مرة ثالثة لإبقاء الرفيق لحود في موقعه بالرغم من الرغبة المعلنة لمعظم الفعاليات اللبنانية الروحية، والسياسية، والشعبية ( ما عدا البعثية القانصوية ) طبعاً..! و القائلة بعدم اللعب مرة أخرى بدستور بلادهم لأنهم لا يجدون أسباب موجبة تتطلب تعديل مادة تحدد الفترة الزمنية لمنصب الرئاسة والمثير للاستغراب أن التصريحات السورية تجمع وباستمرار على احترام رغبة اللبنانيين لكن المشكلة أن تلك الرغبة تصل دائماً متأخرة ربع ساعة تكون البربرة قد شحطت الحرحرة إلى تحت القبة بما معناه أن الذي ضربَ ضربْ والذي هربَ هربْ وخيرها بغيرها إن شاء اللاعبون..!
29/8/2004